يثير تأثير التوتر النفسي المزمن على صحة الإنسان تساؤلات عديدة، خاصة فيما يتعلق بعلاقته بالأمراض الخطيرة، وعلى رأسها السرطان. وبينما لا توجد أدلة قاطعة تثبت أن التوتر النفسي يتسبب بصورة مباشرة في نشوء الأورام السرطانية، تشير أبحاث إلى احتمالية تأثيره على بعض العمليات البيولوجية المرتبطة بتطور المرض وانتشاره لدى المصابين به بالفعل، ما يفتح المجال أمام دراسة دور إدارة الضغوط النفسية ضمن منظومة الرعاية المتكاملة لمرضى السرطان.
وفي هذا السياق، يوضح الدكتور أحمد مأمون نوفل، عضو هيئة التدريس واستشاري التشخيص المبكر وعلاج أورام الثدي والنساء والأورام الصلبة للكبار بكلية الطب جامعة عين شمس، والمركز الطبي العالمي والمستشفى البريطاني بالقاهرة، والعضو المعتمد بالجمعية الأوروبية لعلاج الأورام، أن الأبحاث الحديثة تدرس العلاقة بين التوتر النفسي المزمن وتطور السرطان، مشيرًا إلى أن بعض الدراسات على الحيوانات والبشر رصدت تأثيرات بيولوجية محتملة قد ترتبط بتقدم المرض وانتشار الخلايا السرطانية.
التوتر وانتشار الأورام
تشير نتائج الأبحاث إلى أن التوتر النفسي المزمن قد يؤثر في بعض العمليات الحيوية لدى الأشخاص المصابين ب السرطان بالفعل، حتى إن لم يكن سببًا مباشرًا في نشوء المرض. فقد أظهرت دراسات أن التعرض المستمر للضغط النفسي قد يؤدي إلى تغيرات كيميائية وحيوية في الجسم، من بينها تعزيز بعض الاستجابات الالتهابية، والتأثير على كفاءة الجهاز المناعي في أداء وظائفه، فضلًا عن تغييرات قد تسهم في تهيئة البيئة المحيطة بالورم لانتشار الخلايا السرطانية إلى أجزاء أخرى من الجسم، وهي العملية المعروفة باسم النقيلة السرطانية.
كما رصدت بعض الدراسات تغيرات في العلاقة بين الأورام والأوعية اللمفاوية، بما قد يؤثر في المسارات التي تستخدمها الخلايا السرطانية للانتقال إلى مناطق أخرى. ومع ذلك، تختلف هذه التأثيرات باختلاف نوع الورم والظروف البيولوجية المحيطة به، ولا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم مدى انطباق هذه النتائج على المرضى في الممارسة الطبية.
أبحاث حاصرات بيتا
وفي إطار البحث عن وسائل للحد من التأثيرات البيولوجية المرتبطة بالتوتر، درس الباحثون دور أدوية حاصرات بيتا، وهي أدوية تعمل على تثبيط تأثير بعض هرمونات التوتر، مثل الأدرينالين، على مستقبلات معينة في الجسم.
وأظهرت تجارب قبل سريرية إمكانية الحد من بعض التغيرات المرتبطة بالتوتر باستخدام هذه الأدوية، ما دفع الباحثين إلى استكشاف دورها المحتمل في علاج السرطان. كما أشارت دراسات سريرية أولية إلى أن استخدام حاصرات بيتا، خاصة عند دمجها مع أدوية مضادة للالتهاب في بعض البروتوكولات البحثية، قد يرتبط بتغيرات إيجابية في بعض المؤشرات المتعلقة بالمرض.
لكن هذه النتائج لا تعني أن حاصرات بيتا أصبحت علاجًا معتمدًا للحد من انتشار السرطان، إذ لا تزال الأدلة غير كافية لتأكيد فعاليتها لهذا الغرض، كما تختلف النتائج المحتملة بحسب نوع الورم وخصائص المرضى والعلاج المستخدم. ولذلك، يتطلب الأمر إجراء دراسات سريرية أكبر وأكثر دقة لتحديد مدى جدواها وسلامة استخدامها في هذا السياق.
ويُعد نقص التمويل من التحديات التي قد تعوق التوسع في بعض الأبحاث المتعلقة بالعلاقة بين التوتر النفسي والسرطان، وهو ما يجعل مواصلة الدراسات ضرورية للوصول إلى نتائج أكثر وضوحًا بشأن التطبيقات العلاجية المحتملة.
إدارة الضغوط النفسية
ولا تقتصر الأبحاث على الأدوية، بل تمتد إلى دراسة تأثير بعض التدخلات النفسية والسلوكية، مثل اليوجا والتأمل وتقنيات الاسترخاء، في تخفيف التوتر وتحسين الحالة النفسية، إلى جانب بحث تأثيرها المحتمل على بعض المؤشرات الالتهابية المرتبطة بالإجهاد المزمن.
وتبرز أهمية هذه التدخلات في دعم جودة حياة مرضى السرطان ومساعدتهم على التعامل مع الضغوط النفسية المصاحبة للتشخيص والعلاج، مع ضرورة التمييز بين الفوائد النفسية التي قد تحققها هذه الممارسات وبين الادعاء بأنها تمنع انتشار الورم أو تعالج السرطان.
وفي ضوء هذه المعطيات، تظل إدارة التوتر النفسي جزءًا مهمًا من الرعاية الشاملة للمصابين بالسرطان، ليس باعتباره سببًا مؤكدًا للمرض، ولا باعتباره بديلًا للعلاج الطبي، ولكن لما قد يسهم به الدعم النفسي في تحسين جودة الحياة ومساعدة المرضى على مواجهة رحلة العلاج. وتبقى الحاجة قائمة إلى مزيد من الأبحاث لتحديد ما إذا كان التحكم في بعض المسارات البيولوجية المرتبطة بالتوتر يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على نتائج علاج السرطان