تتميز الجبنة الشيدر بمذاقها الغني وقوامها الذي يجعلها من أكثر أنواع الجبن استخدامًا في إعداد السندويشات والوجبات المختلفة، كما تتميز بارتفاع تركيز البروتين والكالسيوم فيها مقارنة بالحليب، نتيجة اختلاف عملية التصنيع ومحتوى الماء. لكن هل تستحق الشيدر مكانًا في نظامنا الغذائي رغم ارتفاع سعرها؟ وهل تختلف فوائدها باختلاف مدة التعتيق؟ وما حقيقة تأثيرها في الهضم والمزاج؟
يوضح الدكتور محمد خلف، أخصائي التغذية العلاجية، أن الجبنة الشيدر ليست مجرد إضافة تمنح الطعام مذاقًا مميزًا، بل تحتوي على مجموعة من العناصر الغذائية المهمة، من بينها البروتين والكالسيوم، مع ضرورة الانتباه إلى محتواها من الدهون المشبعة والصوديوم، وتناولها بكميات تتناسب مع الاحتياجات اليومية.
الأصل والتصنيع
ترجع أصول الجبنة الشيدر إلى قرية شيدر في مقاطعة سومرست جنوب غرب إنجلترا، ومنها اكتسبت اسمها، لتصبح لاحقًا من أنواع الجبن المعروفة والمنتشرة في دول عديدة.
ويقول الدكتور محمد خلف إن صناعة الشيدر، مثل غيرها من أنواع الجبن، تبدأ بالحليب، لكن مراحل التصنيع هي التي تمنح كل نوع خصائصه المميزة من حيث الطعم والقوام والتركيب الغذائي.
وتبدأ العملية بإضافة بادئات بكتيرية تساعد على تخمير سكر اللاكتوز، ثم تُستخدم إنزيمات التخثير لفصل الخثرة عن الشرش، قبل أن تمر الجبنة بمراحل أخرى من المعالجة والتعتيق، تسهم في تكوين نكهتها وقوامها المميزين.
بروتين وكالسيوم
تُعد الجبنة الشيدر مصدرًا مركزًا للبروتين والكالسيوم، إذ تؤدي إزالة جزء كبير من الماء أثناء التصنيع إلى زيادة تركيز العناصر الغذائية في الكمية نفسها مقارنة بالحليب.
ويشير أخصائي التغذية العلاجية إلى أن شريحة من الشيدر تزن نحو 25 جرامًا قد توفر قرابة 100 سعر حراري، ونحو 6 إلى 7 جرامات من البروتين، وما يقارب 175 إلى 200 ملليجرام من الكالسيوم، مع اختلاف القيم باختلاف النوع وطريقة التصنيع.
ويساعد البروتين على بناء العضلات والحفاظ عليها، بينما يؤدي الكالسيوم دورًا أساسيًا في صحة العظام والأسنان، ما يجعل الجبنة الشيدر أحد الخيارات التي يمكن الاستفادة منها ضمن نظام غذائي متوازن.
لكن ارتفاع تركيز العناصر الغذائية لا يعني بالضرورة أن الشيدر تعادل كوبًا من الحليب في جميع مكوناته؛ فالحليب والجبن يختلفان في محتواهما من اللاكتوز والماء وبعض الفيتامينات والعناصر الأخرى.
الهضم واللاكتوز
قد تكون الجبنة الشيدر المعتقة خيارًا أنسب لبعض الأشخاص الذين يعانون من عدم تحمّل اللاكتوز مقارنة بالحليب، إذ ينخفض محتوى اللاكتوز فيها خلال التصنيع والتعتيق، وقد تصبح كميته ضئيلة جدًا في بعض الأنواع.
لكن الدكتور محمد خلف يوضح أن تحمّل منتجات الألبان يختلف من شخص إلى آخر، وأن عدم تحمّل اللاكتوز يختلف عن حساسية بروتينات الحليب، التي قد تستدعي تجنب المنتج وفقًا لتقييم الطبيب.
أما بروتينات الحليب، ومنها الكازين، فتتعرض لتغيرات خلال مراحل التصنيع والتعتيق بفعل الإنزيمات، ما يؤثر في تركيبها وخصائصها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الجبنة أسهل هضمًا لدى جميع الأشخاص.
سر الذوبان
من الخصائص التي تجعل الشيدر مفضلة لدى كثيرين قدرتها على الذوبان عند التسخين، لتمنح الأطعمة قوامًا كريميًا ونكهة غنية.
ويرتبط ذلك بالتغيرات التي تحدث في بنية البروتينات والدهون عند ارتفاع درجة الحرارة، إذ تصبح شبكة البروتين أكثر مرونة، وتتحرك الدهون داخلها، ما يؤثر في قوام الجبنة ودرجة سيولتها.
وتختلف قدرة الشيدر على الذوبان بحسب تركيبها ودرجة تعتيقها وطريقة تسخينها؛ لذلك قد لا تتصرف جميع الأنواع بالطريقة نفسها عند إضافتها إلى الطعام.
الفيتامينات والمعادن
إلى جانب البروتين والكالسيوم، تحتوي الجبنة الشيدر على عناصر غذائية أخرى، من بينها الفوسفور وفيتامين ب12، كما قد توفر فيتامين ك2 بكميات متفاوتة بحسب طريقة التصنيع والتخمير.
ويؤدي فيتامين ك دورًا في تنشيط بروتينات تشارك في تنظيم استخدام الكالسيوم داخل الجسم، بينما يساعد فيتامين د على امتصاص الكالسيوم والاستفادة منه في الحفاظ على صحة العظام.
ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار الشيدر مصدرًا كافيًا لجميع هذه العناصر؛ إذ تختلف كمياتها من منتج إلى آخر، كما أن محتوى الجبنة من فيتامين د يكون عادة محدودًا ما لم تكن مدعمة به.
الدهون الصحية
تحتوي الجبنة الشيدر على دهون، من بينها أحماض دهنية مشبعة وأخرى غير مشبعة، وقد تضم أيضًا كميات متفاوتة من حمض اللينوليك المترافق، المعروف اختصارًا باسم CLA.
وقد حظي هذا الحمض باهتمام بحثي بسبب تأثيراته المحتملة في بعض العمليات الحيوية، لكن الأدلة المتاحة لا تكفي للجزم بأن الكميات الموجودة في الجبنة تحقق فوائد علاجية مؤكدة لدى البشر.
لذلك، فإن وجود هذه المركبات لا يلغي أهمية الانتباه إلى كمية الدهون المشبعة والسعرات الحرارية، خاصة لدى الأشخاص الذين يحتاجون إلى ضبط مستويات الكوليسترول أو التحكم في الوزن.
الصداع والجبن المعتق
قد يلاحظ بعض الأشخاص إصابتهم بالصداع بعد تناول أنواع معينة من الجبن المعتق، وهو أمر قد يرتبط بحساسيتهم الفردية لبعض المركبات الموجودة في هذه المنتجات.
ومن بين هذه المركبات التيرامين، الذي يتكون نتيجة تكسير الأحماض الأمينية خلال عمليات التخمير والتعتيق، وقد يكون محفزًا للصداع لدى بعض الأشخاص، خاصة من لديهم قابلية للإصابة بالصداع النصفي.
لكن هذا التأثير لا يحدث لدى الجميع، ولا يعني أن تناول الجبنة الشيدر يؤدي بالضرورة إلى الصداع، كما أن كمية التيرامين تختلف بحسب نوع الجبن وظروف تصنيعه وتعتيقه.
المذاق والمكافأة
لماذا يفضل بعض الأشخاص الشيدر ويجدون صعوبة في الاستغناء عن مذاقها؟
يرتبط ذلك بمجموعة من العوامل، من بينها النكهة الغنية الناتجة عن التعتيق، وتفاعل الدهون والبروتينات والأملاح مع حاسة التذوق، إلى جانب ارتباط الطعام الممتع بمراكز المكافأة في الدماغ.
وخلال نضج الجبن، تتحلل بروتينات الحليب إلى مركبات أصغر، من بينها الببتيدات والأحماض الأمينية، ما يسهم في تكوين النكهة المميزة.
وقد أظهرت أبحاث مخبرية أن بعض الببتيدات الناتجة عن تكسير الكازين تُعرف باسم الكازومورفينات، لكن لا توجد أدلة كافية على أن تناول الجبنة الشيدر يؤدي لدى البشر إلى تأثير مماثل لتأثير المورفين، أو أن هذه المركبات تفسر وحدها التعلق بمذاقها.
كذلك، فإن التيروزين أحد الأحماض الأمينية الموجودة في الجبن، وقد تتكون بلورات منه في بعض أنواع الجبن المعتق. ورغم أن التيروزين يدخل في تصنيع مركبات كيميائية عصبية، فإن وجوده في الجبنة لا يعني أنها ترفع هرمونات السعادة بصورة مباشرة أو مضمونة.
الكمية المناسبة
ويختتم الدكتور محمد خلف بالتأكيد على أن الجبنة الشيدر يمكن أن تكون جزءًا من نظام غذائي متوازن، بفضل محتواها من البروتين والكالسيوم، لكن الاستفادة منها ترتبط باختيار النوع المناسب ومراعاة الكمية المتناولة.
ويُنصح باختيار المنتجات المصنوعة من الحليب ومن مصدر موثوق، مع قراءة الملصق الغذائي لمعرفة محتواها من الصوديوم والدهون المشبعة والسعرات الحرارية، وتناولها باعتدال، خاصة لدى الأشخاص الذين يحتاجون إلى الحد من هذه المكونات.
ف الجبنة الشيدر ليست غذاءً خارقًا، كما أنها ليست طعامًا ينبغي تجنبه لمجرد احتوائها على الدهون؛ وإنما يعتمد إدراجها في النظام الغذائي على الكمية والتوازن الغذائي والاحتياجات الصحية لكل شخص.