الحليب.. هل أصبح ضارًا بالصحة كما تروج بعض المنشورات؟

الحليب.. هل أصبح ضارًا بالصحة كما تروج بعض المنشورات؟الحليب.. هل أصبح ضارًا بالصحة كما تروج بعض المنشورات؟

منوعات11-10-2026 | 15:47

أصبح الحليب ومنتجات الألبان محورًا لجدل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تتداول بعض المنشورات ادعاءات تربط استهلاكها بالالتهابات واضطرابات الجهاز الهضمي، بل يصل الأمر أحيانًا إلى وصف الحليب بأنه غذاء ضار ينبغي الامتناع عنه. لكن هل تتفق هذه التحذيرات مع ما تشير إليه الأدلة العلمية؟ وهل يعني وجود أشخاص لا يناسبهم الحليب أنه غير صحي للجميع؟

يؤكد الدكتور أحمد أبو الريش، أخصائي التغذية العلاجية، أن الحكم على الحليب ينبغي أن يستند إلى الأدلة العلمية، مع التمييز بين فوائده الغذائية والحالات التي تستدعي الحد من تناوله أو استبداله ببدائل مناسبة، موضحًا أن وجود مشكلات صحية لدى بعض الأشخاص لا يعني أن الحليب ضار للجميع.

الحليب عبر التاريخ

ويشير أبو الريش إلى أن الحليب يُستهلك منذ آلاف السنين، ويحتل مكانة مهمة في الأنماط الغذائية لمجتمعات عديدة، كما ورد ذكره في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: 66].

ويضيف أن الحليب ومنتجاته ارتبطا عبر التاريخ بالتغذية اليومية، لما يحتويان عليه من عناصر غذائية مهمة، لكن تقييم فوائدهما وأضرارهما يجب أن يستند إلى المعرفة العلمية الحديثة، وليس إلى مجرد شيوع استهلاكهما قديمًا أو انتشار تحذيرات بشأنهما حديثًا.

ماذا تقول الدراسات؟

وفي مواجهة الادعاءات التي تصف الحليب بأنه ضار للجميع، يوضح أخصائي التغذية العلاجية أن الدراسات العلمية لا تدعم تعميم هذا الحكم على جميع الأشخاص، إذ تختلف الاستجابة للأغذية باختلاف الحالة الصحية والاحتياجات الغذائية ومدى تحمّل الجسم لمكوناتها.

وفي هذا السياق، يستشهد بدراسة عشوائية نُشرت عام 2026، وشملت 74 شخصًا يعانون زيادة الوزن أو السمنة، تناول المشاركون خلالها ثلاث حصص يومية من منتجات الألبان كاملة الدسم لمدة 12 أسبوعًا.

ووفقًا للنتائج التي أشار إليها، لم يُسجل تدخل الدراسة زيادة في الوزن أو دهون الجسم أو سكر الدم التراكمي أو دهون الدم لدى المشاركين.

وتكتسب هذه النتائج أهمية عند مناقشة الاعتقاد بأن تناول منتجات الألبان كاملة الدسم يؤدي حتمًا إلى زيادة الوزن، لكنها لا تعني أن هذه المنتجات لا يمكن أن تسهم في زيادة الوزن مطلقًا؛ إذ يتأثر الوزن بإجمالي السعرات الحرارية المستهلكة، ومستوى النشاط البدني، وعوامل أخرى.

كما أن نتائج دراسة محدودة العدد والمدة لا تكفي وحدها لإصدار حكم شامل على التأثيرات الصحية طويلة الأجل لمنتجات الألبان لدى جميع الفئات.

متى لا يناسب الحليب؟

ويشدد أبو الريش على أهمية التمييز بين عدم تحمّل اللاكتوز، وهو السكر الطبيعي الموجود في الحليب، وبين حساسية بروتينات الحليب؛ فهما حالتان مختلفتان، ولكل منهما طبيعة وأعراض وتوصيات غذائية خاصة.

فالأشخاص الذين يعانون عدم تحمّل اللاكتوز قد يشعرون بالانتفاخ أو الغازات أو آلام البطن أو الإسهال بعد تناول الحليب، نتيجة صعوبة هضم كميات معينة من هذا السكر. وتختلف درجة التحمل من شخص إلى آخر، كما يستطيع بعض المصابين تناول كميات محدودة أو الاستفادة من منتجات الألبان منخفضة اللاكتوز.

أما حساسية بروتينات الحليب، فهي استجابة مناعية تختلف عن عدم تحمّل اللاكتوز، وقد تستدعي تجنب الحليب ومشتقاته وفقًا لتقييم الطبيب، خاصة لدى الأطفال الذين تظهر عليهم أعراض الحساسية.

ومن ثم، فإن عدم ملاءمة الحليب لبعض الأشخاص لا تعني أنه ضار للجميع، كما أن التعامل مع الأعراض ينبغي أن يكون وفقًا لسببها، بدلًا من الامتناع عن مجموعات غذائية كاملة دون داعٍ.

قيمة غذائية متنوعة

ويؤكد أخصائي التغذية العلاجية أن الحليب يوفر مجموعة من العناصر الغذائية التي يحتاج إليها الجسم، إذ يحتوي على البروتينات عالية القيمة البيولوجية، إلى جانب الكربوهيدرات والدهون بنسب تختلف باختلاف نوعه، فضلًا عن معادن وفيتامينات مهمة.

ويُعد الحليب مصدرًا للكالسيوم والفوسفور، وهما عنصران أساسيان لصحة العظام والأسنان، كما يوفر بروتينات تسهم في بناء العضلات والحفاظ على أنسجة الجسم، ويحتوي على فيتامين ب12 وعناصر غذائية أخرى.

أما محتواه من فيتامين د، فيختلف باختلاف نوع الحليب وما إذا كان مدعمًا بهذا الفيتامين؛ لذلك لا يمكن اعتبار جميع أنواع الحليب مصدرًا غنيًا به بالدرجة نفسها.

وتساعد هذه العناصر على جعل الحليب أحد الخيارات الغذائية المفيدة ضمن نظام متوازن، لكن قيمته الغذائية لا تعني أنه الغذاء الوحيد القادر على توفير احتياجات الجسم، إذ يمكن الحصول على العديد من مكوناته من مصادر غذائية أخرى أيضًا.

الزبادي والبكتيريا النافعة

ولا تقتصر منتجات الألبان على الحليب السائل، إذ تشمل الزبادي والأجبان وغيرها من المنتجات التي تختلف في تركيبها الغذائي وطريقة تصنيعها.

ويتميز الزبادي المصنوع باستخدام مزارع بكتيرية حية باحتوائه على بكتيريا ناتجة عن عملية التخمير، وقد تساعد بعض أنواعها في دعم وظائف الجهاز الهضمي، وفقًا للسلالة المستخدمة وطبيعة المنتج.

وتختلف هذه الفائدة من منتج إلى آخر؛ لذلك لا يمكن تعميم تأثير واحد على جميع منتجات الألبان، كما ينبغي التمييز بين المنتجات التي تحتوي على كائنات حية دقيقة وبين المنتجات التي لا تحتفظ بها بعد التصنيع.

الحليب والشبع

ويُعد الحليب أيضًا مصدرًا للبروتين، الذي قد يساعد على تعزيز الشعور بالشبع ضمن الوجبات، وهو ما يمكن أن يدعم تنظيم الشهية لدى بعض الأشخاص.

لكن تأثير الحليب في الشبع وإدارة الوزن يتوقف على الكمية المتناولة، ونوع المنتج، ومجموع السعرات الحرارية في النظام الغذائي؛ فإضافته إلى الطعام لا تعني بالضرورة خسارة الوزن، كما أن تناوله لا يؤدي تلقائيًا إلى زيادته.

ومن المهم النظر إلى الحليب باعتباره أحد مكونات النظام الغذائي، لا وسيلة مستقلة لعلاج السمنة أو التحكم في الشهية.

اللاكتوفيرين والحديد

ويحتوي الحليب على مركبات بروتينية ذات وظائف حيوية، من بينها اللاكتوفيرين، وهو بروتين يرتبط بالحديد ويسهم في بعض وظائف المناعة، كما يوجد في حليب الأم وحليب الأبقار.

وقد دُرس اللاكتوفيرين في سياقات صحية متعددة، من بينها دوره المحتمل في تحسين بعض مؤشرات الحديد لدى فئات معينة، لكن وجوده في الحليب لا يعني أن شرب الحليب وحده يعالج نقص الحديد أو الأنيميا.

بل إن الحليب البقري ليس مصدرًا غنيًا بالحديد، وقد يؤثر الإفراط في تناوله لدى الأطفال الصغار في تنوع غذائهم وحصولهم على الحديد الكافي. لذلك يحتاج علاج الأنيميا إلى تحديد السبب وتقييم الحالة طبيًا، مع اتباع العلاج المناسب عند الضرورة.

كذلك، فإن اللاكتوفيرين الموجود طبيعيًا في الحليب يختلف من حيث الكمية والتوافر عن المكملات الغذائية التي تحتوي عليه، ولا يصح اعتبارهما متكافئين في التأثير العلاجي.

هل الحليب المعبأ مفيد؟

ومن النقاط التي يلفت إليها أبو الريش الانتباه أن الحليب المعبأ والمعالج حراريًا لا يفقد قيمته الغذائية بالكامل كما تروج بعض المنشورات.

فالبسترة والمعالجة الحرارية المناسبة تهدفان إلى الحد من الميكروبات المسببة للأمراض، ولا تؤديان عادةً إلى فقدان البروتين أو الكالسيوم بدرجة كبيرة، كما تظل هذه العناصر متاحة للاستفادة منها في الجسم.

وقد تتأثر بعض الفيتامينات الحساسة للحرارة بدرجات متفاوتة وفقًا لطريقة المعالجة وظروف التخزين، لكن ذلك لا يعني أن الحليب المبستر أو المعقم خالٍ من الفوائد الغذائية.

وتظل سلامة المنتج مرتبطة بجودة التصنيع، وسلامة العبوة، والالتزام بتعليمات الحفظ والتخزين، فضلًا عن التأكد من صلاحية المنتج قبل تناوله.

احتياجات الأطفال

ويكتسب الحليب أهمية خاصة في تغذية الأطفال، لما يوفره من بروتين وكالسيوم وعناصر غذائية أخرى تدعم النمو وتكوين العظام.

لكن احتياجات الطفل تختلف باختلاف عمره، ولا يمكن القول إن كوبًا واحدًا من الحليب يغطي نصف احتياجات جميع الأطفال من البروتين؛ إذ تتغير الاحتياجات اليومية وفقًا للعمر والوزن والنمو ومصادر البروتين الأخرى في الغذاء.

كما ينبغي ألا يحل الحليب محل الوجبات المتنوعة، خاصة لدى الأطفال الصغار، حتى لا يؤدي الإفراط في تناوله إلى تقليل إقبالهم على الأطعمة الغنية بالحديد وغيرها من العناصر المهمة.

وبالنسبة إلى الرضع خلال عامهم الأول، يظل حليب الأم أو الحليب الصناعي المخصص للرضع هو المصدر الأساسي للحليب، ولا يُستخدم حليب الأبقار العادي بديلًا رئيسيًا له قبل إتمام 12 شهرًا، إلا وفقًا لتوجيه طبي في حالات خاصة.

كيف نختار؟

وفي ختام حديثه، يشدد الدكتور أحمد أبو الريش على ضرورة التعامل مع المعلومات الغذائية المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي بحذر، وعدم اتخاذ قرارات بالامتناع عن الحليب أو منتجات الألبان اعتمادًا على مقاطع قصيرة أو ادعاءات غير موثقة.

فالاختيار الأفضل يتوقف على الحالة الصحية لكل شخص، ومدى تحمّله للحليب، واحتياجاته الغذائية، مع مراعاة الكمية والنوع ضمن نظام غذائي متوازن.

أضف تعليق

معجزة النصر

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان