عاطف عبد الغنى يكتب: حضن مصر أدفأ وأأمن من إسرائيل!
عاطف عبد الغنى يكتب: حضن مصر أدفأ وأأمن من إسرائيل!
تاريخ ضارب بأطنابه فى التاريخ، وجغرافيا يغذيها شريان للحياة يجرى بإذن ربه من الجنوب إلى الشمال، ويعود من الشمال ليصب فى الجنوب حبًا وكرامة وعلاقات نسب وصهر، وجوار وليست علاقات مُجيرة (من الجور) كما يحاول أن يصورها أصحاب الرؤى المريضة بهلاوس الدونية والصغار، والذين أعتقد أنهم قلة – والحمد لله – ممن ينتسبون إلى السودان الشقيق، أو أشباههم فى مصر مصر الذين يتجاوزون الموضوعية فى تقييم علاقات الأشقاء فى شمال وادى النيل وجنوبه، ويصلون - أحيانًا - فى شططهم إلى محاولات يائسة تترجم الهلاوس التى تسكن نفوسهم المريضة قبل رؤوسهم، أو يحولونها إلى سلوكيات لا تنم إلا عن كراهية، وأمنيات بالخراب منطلقين في ذلك كله من معين واحد، وقاسم مشترك، هو كراهية الدولة الوطنية سواء فى مصر أو السودان، والسعى إلى حلم الإحياء الزائف لدولة الخلافة.
(1)
لا داعى لسرد ما هو معلوم بالضرورة، فتاريخ النظام الحاكم الآن فى السودان معروف للجميع، ومنذ اليوم الأول لاستيلاء هذا النظام على السلطة قبل 18 عامًا، عرف العالم وعرفت مصر أن أحد كوادر الجبهة الإسلامية المولودة من رحم الإخوان بالجيش السودانى هو الذى استلم الحكم فى السودان.
الرئيس عمر البشير لا ينكر هذا ومثبت عنه القول إن ثورة الإنقاذ الوطنى (انقلابه يسميه ثورة) لا تعرف الفصل بين الدين والسياسة والموضوع غير قابل للنقاش (صحيفة الإنقاذ الوطنى بتاريخ 27/8/1990) وعلى هذه الخلفية يمكننا تفسير كثير من المواقف السابقة والأفعال اللاحقة (إلا قليلا) من تلك التى أتاها النظام السودانى فى حق مصر والمصريين حديثا، وقديمًا، وهذا القليل بيانه فى الآتى:
(2)
على خلفية مقاربة هذا النظام للإخوان، أو تبنيه لنفس الرؤى والبنى المعرفية التى تحكم سلوك أفراده العام والخاص فى علاقاتهم مع الآخرين، دول وأفراد، قلت يمكننا أن نفسر الكثير ونصل لحقيقة كراهية النظام الحاكم فى السودان لمصر والمصريين فيما عدا الإخوان.. لكن هذه ليست كل الحقيقة، ولكن فقط جزء منها، والباقى يمكن أن تكتشفه فى بعض كتابات من نفترض أنهم أشقاء، لكنهم لا يروننا كذلك، فمع إطلاعك على كتاباتهم فى الصحف السيارة أو تلك التى سودوها فى كتب، لابد أن تشعر بالأسف والأسى الشديدين، ومبعث هذا الأسف والأسى تلك المشاعر السلبية تجاه مصر والمصريين التى تنضح بها هذه الكتابات، وقد جمعوا فيها كل ما هو ردىء من أوصاف وسلوكيات ونسبوها لتاريخ مصر فى علاقتها بشقيقتها السودان، و هذه الكتابات لم تقتصر على كتّاب أو مفكرين منسوبين للتيار الإسلامى فقط، بل صدرت أيضا عن نظراء لهم يساريين وشيوعيين وقوموجية، وأؤكد أن من يرتكب جريمة الكراهية تلك أفراد وأرى أن اجتهاداتهم السوداوية تجاه مصر نابعة من إحساسهم بالدونية والضعة، ولا ذنب لمصر في ذلك، ولكن الذنب لخيالاتهم المريضة التى تصور لهم أنه طوال سنوات التاريخ الممتد من بداية عصور التدوين وإلى الأمس القريب، تسعى مصر لاحتلال السودان ونهب ثرواته واستعباد السودانيين، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد ولكن يقوم هذا الصنف من الكُتّاب بتوزيع اتهامات الخيانة والعمالة وشتم أى سودانى حاول أو يحاول أن يكون موضوعيًا فى تناوله للعلاقات المصرية السودانية، أو التذكير بالحقوق والواجبات التى يجب أن تٌراعى للقيام بحق هذه العلاقات، أو الاعتراف بحقوق مصر فيما هو متنازع عليه مع النظام السودانى الحاكم، فى مسائل مثل مثلث حلايب وشلاتين ،أو مناوءة مصر، والميل إلى مواقف إثيوبيا فيما يخص المسائل الخلافية المتعلقة بسد النهضة.
وبعض هؤلاء الكُتّاب يحلو له أن يعود بضغينته إلى عصور وأيام الفراعنة فيذكر أحدهم مثلا أن احتلال مصر للسودان (لاحظ احتلال) بدأ فى زمن يسبق قيام الدولة الفرعونية القديمة وعصر الأسرات الممتد فى الفترة من 3100 قبل الميلاد إلى 2181 قبل الميلاد أيضا، ويمضى هذا الكاتب وغيره عازفا على هذه النغمة ألحانه الجنائزية ليشبع القراء لطما، ولا تملك إزاء هذا الذى يستدعى الماضى السحيق ليحرض به على الحاضر وليسممه، إلا أن تهتف متسائلا: ماذا سوف تجنى من وراء هذا يا أخى؟!
(3)
وإذا وصلت إلى هذا الشهر أو هذا الأسبوع الذى مضى، وبحثت عن سبب لغضب الخرطوم، فسوف تتأكد أن المسألة ليست فى 5 صحفيين سودانيين لم تسمح السلطات المصرية بدخولهم إلى مصر، ولا قرار صدر من مجلس الأمن، وادعى النظام السودانى الحاكم أن مصر وقفت مساندة لهذا القرار الذى يمس مصالح السودان الشقيق، وهذا لم يحدث، ولم تقبل السلطات السودانية توضيح مصر من أنها لم تشارك من قريب أو بعيد فى صدور هذا القرار المتعلق بتمديد العقوبات على السودان، والسبب الحقيقى فى ذلك سلوكيات النظام السودانى وكان عليه أن يراجعها بدلا من أن يعلق فشله أمام الشعب السودانى على شماعة مصر.
ولا هى أيضا مسألة حلايب وشلاتين التى تطلب السودان التفاوض المباشر حولها مع مصر، ويعلن النظام السودانى غضبه عندما تمارس مصر حقوق السيادة على أرضها، ويسمى ذلك تمصيرًا فى حين أن مصر لم تسمّ محاولات السودان لاختراق هذه المناطق مثلا سودنة، ويهدد النظام السودانى بتدويل الخلاف أى بتحويله إلى المحافل الدولية، ويستأسد على مصر وهو الذى فرط فى الجنوب ومهدد فى دارفور، وغيرها بسبب سياساته التى سوف تؤدى حتما لتمزيق السودان (الشمالى) .
ويصرح أقطاب النظام فى كل مناسبة أنها المعاملة بالمثل.. وكيف تكون معاملة النظام السودانى الحاكم لمصر بالمثل وهو يرد على الدوام يد مصر الممدودة وسعيها الدائم لخطب ود النظام ومحو سطور الكراهية من صفحة العلاقات المصرية السودانية؟! وما سعى مصر لهذا إلا حفاظًا على وحدة الشعبين فى الشمال والجنوب، وإدراكًا من القيادة السياسية المصرية أن أنظمة الحكم زائلة والشعوب هى الباقية.
(4)
واسمحوا لى أن أُذكّر النظام الحاكم فى السودان أنه قبل ستة أعوام تقريبًا كشفت "ويكيلكس" عن وثائق دبلوماسية يخاطب فيها مسئولون سودانيون رفيعو المستوى الولايات المتحدة برغبتهم فى إقامة علاقات مع إسرائيل، وفى إحدى هذه البرقيات التى تحمل تاريخ 28 يوليو 2008 جاء أن مصطفى إسماعيل مستشار الرئيس البشير التقى "ألبرتو فرنانديز" مسئول الشئون الأفريقية بالخارجية الأمريكية واقترح الأول على الأخير أن يتعاون النظام السودانى مع سيدة العالم التى ركعته، وأن تشمل أوجه التعاون التى يقدمها هذا النظام تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وأبدى مستشار الرئيس مخاوفه من عدم استجابة أمريكا على الرغم من أن النظام السودانى أبدى تعاونًا ومرونة ورغبة فى إقامة علاقات مع إسرائيل.. مع إسرائيل يا مؤمن؟!
وبالطبع يؤكد الواقع الحالى أن أمريكا رفضت العرض السودانى فى حينه، ومضت فى سياستها تجاه السودان ليدفع شعبه الثمن، فأبقت على البلد الشقيق فى قائمة الإرهاب، وعملت على إفشال التوصل إلى حل بين الشمال والجنوب السودانى حول منطقة إيبى، ومضت إلى تنفيذ الاستفتاء على انفصال الجنوب الذى تم فى شهر يناير 2011 فى ظل النظام السودانى الحاكم حاليا، ومددت العقوبات حتى تاريخه.
وإذا كان النظام السودانى قد هرول لتطبيع علاقاته مع أمريكا وإسرائيل أليس من باب أولى أن يطبع علاقاته مع مصر؟! على الأقل حضن مصر أدفأ، وأأمن من حضن إسرائيل (!!)