ما بين إعلام هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، وإعلام الإخوان الإرهابية خيطًا ممدودًا وفكرًا موصولاً، وعقد غير مكتوب، وتعاون غير رسمى، يصدر عن تشابه منطلقاتهما تجاه الدولة المصرية، وكذا أهدافهما، لذلك تتفق أو تتشابه أحيانا الرسالة الصادرة عنهما أحيانا، مع فارق الحرفة، الذى هو بالطبع لصالح الـ (بى بى سى) .
(1)
يوم 11/11/2019 بثت محطة الـ «بى بى سى» فيلمًا تسجيليًا حمل عنوان: «رحلة داخل مصر الروحية»، ولم يمر أسبوع حتى شن المذيع المتأخون محمد ناصر فى برنامجه الذى يذيعه على إحدى القنوات الإخوانية هجوما شديدا على الصوفية، والصوفيين. استمر الهجوم 12 دقيقة كانت كافية لأن تكشف جهل المذيع «المتحذلق» الذى أمسك فى الموضوع، كالذئب الجائع الذى اصطاد فريسة، أو كالخادمة عندما «تستفرد» بالسجادة فى «البلكونة»، ومع فارق التشبيه فالصوفية الحقة لم تكن سجادة لتدوسها الأقدام ولكنها كانت دائمًا «فرشة» ثقافية لنفر من المسلمين راحوا يبحثون عن الحب الخالص لله، عن الروح والنفخة الإلهية الساكنة فى الجسد البشرى، عن الحبل السرى الممدود ما بين الخالق وخلقه.
(2)
الصوفية كمذهب تعبدى، وثقافى تأثرت منذ نشأتها وإلى اليوم بثقافات دينية وحضارات وأفكار سابقة وربما لاحقة عليها، فمحبة العباد لله، وزهدهم، وسعيهم لاكتشاف ما وراء الغيب من حقائق، والسعى إلى تفسير الأسرار التى أسكنها الله فى الكون وفى خلقه، كل هذا لم يتوقف منذ الخليقة، وسوف تجد مثل المذهب الصوفى المنسوب للإسلام فى كل الأديان والعقائد السماوية منها وغير السماوى، سوف تجد شيئًا شبيهًا لهذا مثلا فى القبالة اليهودية، والرهبانية المسيحية، وفى غير الأديان الإبراهيمية سوف تجدها فى البوذية، وكلها ثقافات ذات خلفية دينية أو نابعة من تراث دينى وليس دين، ولأنها تراث بشرى فقد ألصقت به الشوائب، ولم يسلم من من الجهل والدخل.
(3)
القصة أكبر من أن تستوعبها هذه المقالة أو يستوعبها عقل المذيع المتأخون الذى حاول أن يهاجم الصوفية على الإطلاق، لا يفرق بين حسن، وسيىء، بين أصل وابتداع، بين حقيقة وزيف، والحملة بدأتها قبله هيئة الإذعة البريطانية بفيلمها المُشوه والمشَوه، (بضم الميم فى الأولى وفتح الواو فى الثانية) والذى لم يركز فى 26 دقيقة إلا على جهّال الطرق الصوفية، وموالد الأماكن الفقيرة فى صعيد مصر، حيث يتتبع الفيلم درويش خمسينى يدعى «أبو الخواتم» ورحلته فى أحد الموالد صحبة امرأة عشرينية تدعى إيمان، ترتدى ملابس الرجال وتتصرف تصرفاتهم «مسترجلة»، تذكرك بشخصية دنيا سمير غانم فى فيلم «الفرح» وقد صنعا أبو الخواتم، وإيمان (فى الفيلم) حالة قوامها، الخرافة الصادرة عن جهل، وفقر، ومرض.
(4)
هل كان فيلم الـ «بى بى سى» مقدمة للتشويه اللفظى الذى سوف يتبعه الإخوان الآن، وفيما بعد لمهاجمة دعم الطرق الصوفية للدولة المصرية تحديدًا ؟!.. لقد راح محمد ناصر المتأخون، يهاجم الحبيب على الجفرى، لمواقفه وأقواله السابقة من دعم الجيش المصرى، ولأنه قام منذ أيام صحبة الشيخ أسامة الأزهرى بزيارة لعمال القناة فى ذكرى مرور 150 عامًا على تأسيسها، وقال الجفرى يحفز العمال: «اتقنوا عملكم واستحضروا تضحيات المصريين». وكشف ناصر عن جهله وهو يرتجل فيخلط الدينى بالثقافى بالسياسى فى وصلة «أباحة» غير مستغربة منه، ولا يعرف حتى قراءة اسم دانييل بايبس، أحد أشهر كارهى الإسلام فى الغرب، وهو المفترض أن يعرفه ويعرف سيرته، لكنه الجهل الذى يفرق ما بين صنعة الـ «بى بى سى»، وهراء المذيع المتأخون!!.