من خلية مدينة نصر إلى مذبحة مانشستر.. ابحث عن معسكرات تدريب الإرهابيين فى ليبيا
من خلية مدينة نصر إلى مذبحة مانشستر.. ابحث عن معسكرات تدريب الإرهابيين فى ليبيا
تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى
فى الأسبوع الأول من شهر نوفمبر عام 2012 كانت نيابة أمن الدولة العليا قد انتهت من تحقيقاتها مع المتهمين بتكوين خلية إرهابية فى مدينة مصر، واشتهرت القضية إعلاميا بهذا الاسم: "خلية مدينة نصر".
وجهت النيابة للمتهمين فى القضية تهم حيازة أسحلة بدون ترخيص، وتكوين خلية إرهابية والتخطيط لعمليات إرهابية داخل مصر من شأنها نشر وزعزعة الاستقرار وتعطيل أحكام القانون والدستور.
وننبهكم أن تاريخ ضبط هذه الخلية كان فى شهر ديسمبر من عام 2012، فى عهد حكم الرئيس الأسبق الإخوانى محمد مرسى، وبغض النظر عن أقوال المتهمين فى تحقيقات النيابة التى لقنها لهم المحامون، من إنكار للتهم، وإنكار معرفتهم بعضهم البعض، أو قول أحدهم إنه " لا يوجد الآن (فى تاريخ القضية) فى مصر ما يسمى بالكفاح المسلح لإنه لا حاجة له خاصة بعد أن تولى مقاليد الحكم فى مصر نظام يريد تطبيق شرع الله وهذا غايتنا" .. فإن حجم الأسلحة التى تم ضبطها فى مقر الخلية بمدينة نصر وفى صالة للألعاب الرياضية - تابعة للخلية - يتخذ من نشاطها ستارًا حيث تتم تخبأة الأسلحة والذخائر والمفرقعات بها، وقد تم ضبط كميات هائلة منها تمثلت فى 63 قنبلة يدوية، و 4 قذائف "أر بى جى" ، ومنصة إطلاق صواريخ، وكميات من مادة "تى أن تى" شديدة الانفجار، وصاروخ مضاد للدبابات، و9 علب من المتفجرات هذه الأسلحة وغيرها لا شك تشير إلى خطورة الخلية وأعضائها ليس فقط المضبوطين، ولكن أخرين هاربين بلغوا 50 عضوًا، سلم الأمن الوطنى فى تاريخ ضبط القضية للنيابة ما يثبت تورطهم مع المضبوطين التسعة.
العمليات والمجرمين
وفى أحراز وأوراق القضية وتحقيقات النيابة وتحريات الأمن الوطنى ثبت أن المتهمين كانوا يخططون لتفجير عدد من الكنائس فى عدد من المحافظات المصرية والكاتدرائية المرقسية بالعباسية والسفارتين الأمريكية والإسرائيلية، والسفر إلى سيناء وعبور الحدود وتفجير مترو الأنفاق، وتفجير منطقة عسكرية.
ولم يكن المدعو كريم أحمد عصام بديوى - الذى لقى حتفه أثناء اشتباكه مع الأمن فى اقتحامه مقر الخلية - هو المتهم الأول فى القضية، وقد وأشيع فى البداية بعد الكشف عن العملية الأمنية أنه ليبى الجنسية ثم تبين أنه مصرى وتم اعتقاله قبل ثورة 25 يناير بسبب محاولته السفر إلى العراق للجهاد المحتل الأمريكى، لكنه سافر إلى ليبيا وتلقى تدريب هناك على العمليات الجهادية.
كان المتهم الأول والرئيسى"أمير الجماعة" هو طارق يحى هليل .. كما جاء فى أوراق تحقيقات النيابة، التى وجهت له تهمة الانتماء إلى جماعة جبل الحلال فى سيناء، والتى كانت تضم عناصر من حزب الله (تختبىء بالجبل) فى هذا الوقت.
وغير طارق هليل, وكريم بديوى تم القبض فى ذات القضية على، عادل عوض شحتو وتم توجيه تهمة إحياء تنظيم الجهاد فى مصر، والتخطيط لاغتيال الرئيس الأسبق مرسى، وقلب نظام الحكم ، وقبض أيضا على طارق عبد السلام أبو العزم وكان ضابط سابق فى القوات المسلحة المصرية واتهم عام 2002 فيما عرف بتنظيم جند الله، ووجهت له اتهامات بالتخطيط لتدمير البارجات الأمريكية المارة فى قناة السويس والمتجهة إلى العراق، والتخطيط لضرب السفارة الأمريكية فى القاهرة، لكنه حصل على حكم بالبراءة من هذه التهم، وتم القبض أيضا على 3 آخرين، وذلك حال محاولتهم التسلل عبر الحدود المصرية إلى ليبيا، ووجد بحوزتهم مبالغ مالية وعملات نقدية مختلف، وتم القبض أيضا على شخص تونسى الجنسية، وكان فيما سبق إشارات أولى تفتح باب الانتباه إلى علاقة هؤلاء الجهاديين بتنظيمات موجودة فى ليبيا وتونس وسيناء .. فهل وجدت هذه الإشارات الاهتمام الكافى من السلطات فى ذلك الوقت؟!.. والسؤال ينقلنا للتالى:
المقاتلون الأجانب
فى إطار تدفق المقاتلين الأجانب إلى ليبيا، وهو الأمر الذى لم يلق الاهتمام الكافى من وسائل الإعلام العربية والمصرية فى هذا التاريخ لأسباب مفهومة، ونظراً إلى حجم التدفقات الأكبر التي شهدها كلٌّ من العراق وسوريا، التى سرقت الاهتمام، بينما كان هناك فى "درنة" شرق ليبيا يتكون تنظيم «أنصار الشريعة» الذي هو أساساً تنظيم محلي افتقر إلى الطابع المتعدد الجنسيات الذي اتصف به كل من تنظيمى «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» و«كتيبة المرابطون».
والمتواتر أن تنظيم «أنصار الشريعة» ركز من جهته على تدريب العناصر التي سعت إلى اكتساب الخبرة قبل الانضمام إلى الجهاد في سوريا، وكان معظم هؤلاء المتدربين من شمال أفريقيا، وخصوصاً تونس، وهذا ليس مفاجئاً نظراً إلى أن تجنيد غالبيتهم الساحقة تم عبر فرع التنظيم في تونس.
بالإضافة إلى ذلك، وفّر «أنصار الشريعة في ليبيا» ملاذاً آمناً للعديد من المصريين المرتبطين بـ "خلية مدينة نصر" ، هم وأعضاء من كتيبة 17 فبراير، وهي مليشيا مرتبطة بتنظيم أنصار الشريعة، وهذه الشبكة هى المسؤولة عن الهجوم الذى وقع على القنصلية الأمريكية في بنغازي فى شهر سبتمبر عام 2012.
وفي ذلك الوقت، قام الجناح العسكري السري لـ تنظيم «أنصار الشريعة في تونس» باستخدام ليبيا كساحة لتدريب العناصر على تنفيذ الهجمات داخل تونس، وأبرزها اغتيال اثنين من سياسيي اليسار في شهرى فبراير و يوليو 2013 والمؤامرة المحبطة التي كانت تحاك في أكتوبر 2013 ضد مدينتَي سوسة والمنستير.
وفى هذه التواريخ التى نتحدث عنها لم يكن سفر المقاتلين الأجانب إلى ليبيا للمشاركة في القتال يشكل ظاهرة جديدة، فوفقاً لمسؤولين أمريكيين، وصل العشرات من هؤلاء المقاتلين إلى ليبيا للانضمام إلى التمرد ضد نظام معمر القذافي منذ وقت مبكر يعود إلى شهر سبتمبر من عام 2011، ومنذ ذلك الحين، تطوّر انخراط المقاتلين الأجانب في ليبيا على مرحلتين، الأولى مرتبطة بشبكة تنظيم القاعدة (من 2011 إلى 2013) والثانية مرتبطة بشبكة تنظيم ما يسمى الدولة الإسلامية (من عام 2014 حتى الوقت الحاضر).
المرحلة الأولى
وفي المرحلة الأولى، تضمنت أبرز التنظيمات المعنية بتسهيل وصول المقاتلين الأجانب إلى ليبيا كلاًّ من تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» و «كتيبة المرابطون» التي يقودها مختار بلمختار (والتي عادت وانضمت إلى تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» و تنظيم «أنصار الشريعة في ليبيا» وفرعه تنظيم «أنصار الشريعة في تونس».
وبين أواخر عام 2013 وأوائل 2014، بدأت شبكة المقاتلين الأجانب في ليبيا تشهد تحولاً ، ويعود هذا التحول فى جزء منه إلى تطورين هما: وضع «أنصار الشريعة في تونس» على لائحة الإرهاب من قبل الحكومة التونسية في أغسطس 2013، وهجوم قوات اللواء الليبي خليفة حفتر على «أنصار الشريعة في ليبيا» في مايو 2014.
وكان التحول أيضاً متأصلاً في عودة ظهور تنظيم «داعش» في العراق وسوريا في ذلك الوقت، مما دفع الكثير من المقاتلين الأجانب في سوريا إلى الانشقاق عن فرع تنظيم «القاعدة» المحلي المعروف باسم «جبهة النصرة»، وقد شمل ذلك العديد من الليبيين والتونسيين؛ وفي الواقع، شكل التونسيون أكبر قوة أجنبية في كل من سوريا وليبيا.
الغرب
فى سياق قريب بدأ الغرب يركز بؤرة اهتمامه مجددا على ما يحدث فى ليبيا وفى الشرق منها تحديدا، وذلك عقب حادث مانشستر الإرهابى الأخير، حيث كشف أحد أصدقاء سلمان عابدي الجهادى الليبى الذى يحمل الجنسية البريطانية والمتهم بقتل 22 شخصاً في مانشستر بداية الأسبوع الماضى، أنه كان عائدا قبل أيام قليلة من الحادث من رحلة دامت 3 أسابيع إلى ليبيا.
وعلى الرغم من أن المحققين البريطانيين لم يكتشفوا أو يفصحوا بعد علناً عن انضمام المشتبه فيه البالغ من العمر الثانية والعشرين عاماً إلى تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» أو خضوعه للتدريب خلال تواجده في ليبيا، نُقل عن شقيقه الذي أُلقي القبض عليه في الرابع والعشرين من مايو في طرابلس، اعترافه بأن الأخوين كانا منضمين إلى تنظيم «داعش».
بالإضافة إلى ما سبق، أعلن التنظيم مسؤوليته عن عملية التفجير بينما كشفت الحكومة الإنجليزية منذ ذلك الحين أن عابدي سافر إلى سوريا أيضاً، مما أثار مخاوف من أن يكون هذا الاعتداء هو الأول الذي يوجهه التنظيم من ليبيا إلى أوروبا.
وإذا كان الأمر كذلك، فإنه يكرر مخاطر التدريب الذي يخضع له المقاتلون الأجانب في الخارج، حيث يعتقد أن هناك الآن ما يقرب من 6000 مقاتل من داعش فقط يعملون من خلال عشرات المعسكرات في جميع أنحاء ليبيا، التي أصبحت مقصدا شعبيا للمقاتلين الراديكاليين الأجانب، الذين تدفقوا إليها، والذين تجاهلهم الكثيرون، والآن أوروبا والغرب تحصى القتلة والإرهابيون وتعد قوائم تضم الآتى:
- سيف الدين رزقي الإرهابي الذي نفذ مذبحة شاطئ سوسة فى تونس كان من بين أولئك الذين تدربوا على القتل في معسكرات ليبيا التي زارها منفذ مذبحة مانشستر، وسافر معه إلى ليبيا وتلقى نفس التدريبات معه كل من ياسين العبيدي وحاتم الخشناوي المسؤولان الرئيسيان عن الهجوم الذى وقع على متحف باردو فى تونس واسفر عن مصرع 22 قتيلا بينهم 20 سائحا اجنبيا، فى شهر مارس 2015.
- أنيس عمري، وهو تونسي الجنسية من مواليد بلدة تطاوين قام بتنفيذ بتنفيذ هجوم الدهس، الذي حدث فى شهر ديسمبر من العام الماضى 2016 في أحد أكبر أسواق هدايا عيد الميلاد بالعاصمة الألمانية برلين، وأسفر عن مقتل 12 شخصا وإصابة آخرين، وتدرب أيضا فى ليبيا التي مزقتها الحرب.
- هؤلاء وغيرهم من بينهم مصريون سبقوهم هم ذخيرة الإرهاب وقنابله التى تنفجر الآن فى وجوهنا جميعا منطلقين من مصنع الإرهاب الليبى.
[gallery type="slideshow" columns="1" size="full" ids="41616,41617,41618,41619"]