عاطف عبد الغنى يكتب: قليل من الأسى لا يفسد للعيد فرحة (!!)

عاطف عبد الغنى يكتب: قليل من الأسى لا يفسد للعيد فرحة (!!)عاطف عبد الغنى يكتب: قليل من الأسى لا يفسد للعيد فرحة (!!)

* عاجل24-6-2017 | 14:43

لطالما وقفت حائرًا أمام ملمات القدر وقد عجزت عن تفسيرها أو فك طلاسمها، أو استكناه الحكمة فيها ونسيت بحكم التكوين والجبلة البشرية، أنها أقدار الله سبحانه وتعالى، تسير وفق نظامه المحكم فى الكون، وقوانينه المحتومة.

وأسأل أحيانامثل كثيرين - من الناس فى لحظة جهل أو طيش: لماذا الشر فى الكون الذى يحكمه إله عادل؟!

وكنتمثل كثيرينأحمل على الأقدار ما يبدو لى فى تلك الحوادث نقضا لنواميس الكون، وفى غير وعى منى لآيات الله فى هذه الأقدار .. وأعود فأستغفر الله عن جهلى وأسأله اليقين وأعوذ به من الغفلة والضلال.

(١)

 أقول ما سبق وقد صادفتنى حالة من الأسى وشىء من اليأس فى ليلة السابع والعشرين من رمضان، ليلة مباركة، والناس تتأهب للصلاة والدعاء والابتهال لرب العالمين أن يرفع مقته وغضبه عن أمة المسلمين التى تشرد أبناؤها فى أطراف الأرض لاجئين يبحثون عن ملاذ أو نجاة، ومنهم من لم يستطع أن يبلغ إحداهما، ومن لم يكتب له النجاة قضى نحبه مقبورًا فى بطون أسماك البحار، أو فى الفلوات، وآخرون ساحوا فى الأرض يبحثون عمن يقبلهم تفضلا ومنة.

فى مخيم للاجئين السوريين ذهبت باحثة ماجستير تعد لرسالتها الدراسية، وكان مطلوبًا منها أن تستطلع ميدانيًا حال المرأة السورية فى مخيم «الزعترى» الكائن بالأردن، وتفاصيل رحلة الباحثة «هيا العقيل» وهذا اسمها، تعكس جانبًا من مأساة النساء العربيات الشقيقات السوريات، التى تفجرت بعد أن ابتليت بلادهن بالصراعات الأهلية، وعلى المثال يمكننا أن نقيس ما حدث لأمثالهن فى ليبيا واليمن، والعراق من قبلهما.

وقد غاب فى مخزن ذاكرة العربمع مآسى الربيع - أخبار الانتهاكات الشنيعة التى ارتكبها جنود الاحتلال الأمريكى الغاشم بحرائر الرافدين فى غير رحمة ولا مراعاة لأى قيم للإنسانية، تلك التى ينادى بها المنتهكون من بلدان الغرب، ويطلبون منا أن نعاملهم بها بينما يمارسون تجاهنا كل أفعال الخسة والدناءة.

 حملت «العقيل» طالبة الماجستير أوراقها والكاميرا خاصتها، وذهبت تواجه حر الصحراء، وعيون الأطفال البريئة، وتطالع وجوه النساء اللاتى تحاولن مداراة الواقع ومآسيه، فتفضحهن تعابير القبول والرضا المصطنع على الوجوه.

فى معسكر اللاجئين قابلت الباحثة نساء من مختلف الأعمار، منهن الكبيرة والصغيرة، المتزوجة والعزباء، المتعلمة وغير المتعلمة، لكنهن جميعًا اجتمعن على شىء واحدكما تقولوهذا الشىء عبّرت عنه إحداهن بإيجاز حين قالت للباحثة: «خرجنا فى بلدنا نطالب بالموت ولا المذلة، فهربنا من الموت وأتينا إلى المذلة بأرجلنا

وتحكى طالبة الماجستير التى لم تفصح عن هويتها (سورية كانت أم أردنية) بعض القصص المؤلمة التى انتزعتها انتزاعًا من بين مشاعر الخجل وأحاسيس العار والمذلة، وتقرر الباحثة أن أكثر القصص المؤلمة أتت عن سؤال نساء المخيم عما تعرضن له من عنف جسدى، وقهر جنسى، ونفسى قبل وبعد اللجوء.. قصص تشيب لها الولدان.. إحداهن روت عن المجازر التى ارتكبت بحق المدنيين، وخاصة الأطفال وبالتحديد مجزرة كرم الزيتون فى حمص، فقالت: كنت أعصر القميص الذى ارتداه زوجى حين دفن الأطفال المذبوحين، ويسيل منه الدم مع كل عصرة لغزارة الدماء التى روت قميصه إثر ذبحهم.

..من يحتمل؟!

 (٢)

وأصاغت الباحثة سمعها لقصص أخرى، لكنها توقفت عند تلك الفتاة التى أوردت حكايتها تحت اسم مستعار هو فاتن.

.. فاتن من مدينة حمص وبالتحديد من منطقة تدعى باب الدريب وقد أتمت من سنوات عمرها الثامنة عشر فى المخيم، وقبلت الحديث مع الباحثة بعد إلحاح من الأخيرة، وعدة محاولات لكى تقبل مجرد الجلوس إليها والحديث معها، وكانت الواسطة التى استطاعت إتمام هذا اللقاء أخت زوجها (زوج فاتن) وقد أخبرت أخت الزوج الباحثة أن فاتن تعرضت للاغتصاب، لكنها تتكتم هى وزوجها الخبر، فالزوج كان أيضا معتقلا، وعندما خرج من محبسه تزوجها بعد مأساتها التى اكتملت بفقدها لأبيها وأخيها الصغير ولم يعد لها فى الدنيا أحد إلا الله، وهى ابنة الحى الذى كان يسكنه - من تزوج بها - هو وعائلته قبل النزوح القسرى عنه.

أخت الزوج أخبرت الباحثة أيضا أن المرأة الصغيرة (فاتن) تنتابها لحظات هستيرية تدخل معها فى نوبات صراخ وتدمير لكل ما تطوله يدها من أشياء ولا يجد أحد تفسيرًا لذلك السلوك سوى تعرضها لمأساة الاغتصاب التى سبقها عنف نفسى رهيب، تمثل فى استخدامها هى وآخرين كدروع بشرية، وقد ربطتهم الميليشيات التى كانت تتصارع لدخول الحى الذى تسكنه (فاتن) وأسرتها على مقدمة الدبابات لاقتحام الحى، وبعد ذلك تم اختطافها لمدة يومين فى شقة فى منطقة تسمى «القرابيص» وفى الشقة رأت فتيات أخريات من جيرانها، وشاهدت بعينيها كيف تم اغتصابهن ومن ضمنهن عروس حديثة الزواج ماتت على أثر انتهاك جسدها.

وتبوح المرأة الصغيرة (فاتن) بسر مأساتها حين تعترف للباحثة إنها تعرضت للاغتصاب بقسوة، وتعرض أبيها للحرق حيا فى مخزن أسفل بيتهم، وضاع أخيها الصغير فلم تعرف له طريق، وينتهى المسرود من قصة فاتن بأنها تحررت من أسر الخاطفين، فلم تجد لها فى الدنيا أحدًا، فتزوجها ابن جيرانهم، ربما عطفا وشفقة، وهى تظن أن لا أحد عرف بما جرى لها إلا زوجها.. والباحثة من بعده، بعد أن باحت لها بمأساتها.

والقصة وأشباهها لابد أن تثير سؤالا: لماذا لابد أن تقترن الصراعات المسلحة خاصة فى البلاد المتخلفة والنامية بفعل اغتصاب النساء؟!.. حتى ولو كان المتحاربون ينتمون لنفس الملة والعقيدة والعرق أو الهوية..؟! هل للأمر علاقة بوصم العنصر المهزوم بمزيد من الذل الناتج عن الشعور بالعار؟!

(٣)

القصة ذكّرتنى بما قرأته قبل سنوات تزيد على العشرين حين غزا العراق الكويت والضحية هذه المرة، كانت طبيبة مصرية تقضى نوبتجيتها بالمستشفى، وتستقبل الحالات الطارئة نتيجة الغزو المسلح، ورفضت هى وزوجها الطبيب الذى يزاملها الهروب من المسئولية الإنسانية قبل الوظيفية، وعندما اقتحم جنود صدام المستشفى قبضوا عليها وزوجها، وبعد قليل قاموا باغتصابها أمام عينيه وهو لا يستطيع الدفاع عنها تحت تهديد الموت وقد صوب الجنود الغزاة المدافع الرشاشة والبنادق إلى رأسه.

وبعد عامين من عودتها وزوجها من الكويت إلى مصر بعثت الطبيبة بمأساتها إلى صحيفة الأهرام ، وتحديدًا لبريد الجمعة الذى كان يحرره الراحل عبد الوهاب مطاوع، قالت بعد أن سردت ما حدث، إنها تعيش فى عذاب هى وزوجها، وإنهما حيَّان فى الظاهر لكنهما فى الحقيقة ميتان، وإنها فكّرت كثيرًا فى الانتحار الجسدى، وإنها هى وزوجها وبعد مرور شهور على الحادث يتحاشان النظر فى عينى بعضهما، وسألت صاحبة المأساة الكاتب الراحل حلاً وقد تجاوزت حافة الجنون، واقتربت بحزنها من السقوط فى هوته.

 (٤)

.. وعذرًا عزيزى القارئ، إذا كنت قد عكرت رائق فرحتك بالعيد،  لكنى ما قصدت إلا أن أذكرك بالأمن والطمأنينة التى تعيش في رحابهما، وأذكرك أن أشقاء لك فى الإنسانية على الأقل يحتاجون أن تدعمهم فعلا وقولا ولا تكتفى بمصمصة الشفاه حين تطالع مآساتهم، ولا أقول هذا لأصرفك تلقاء أى غرض آخر.. وكل عام وأنتم بخير.

    أضف تعليق

    واكتملت المهمة

    #
    مقال رئيس التحرير
    محــــــــمد أمين
    اعلان