عاطف عبدالغنى يكتب: الشارع العربى يسأل: لماذا تؤجل مصر الخيار العسكرى لحسم أزماتها؟
عاطف عبدالغنى يكتب: الشارع العربى يسأل: لماذا تؤجل مصر الخيار العسكرى لحسم أزماتها؟
خمسة أسئلة تناقش قضية محددة تشغل الشارع المصرى والعربى بشأن سد النهضة، والتدخل التركى فى ليبيا، والخيار المصرى العسكرى بشأن الأزمتين.
(1)
هل خان مصر عنصر الوقت فى معالجة أزمة سد النهضة، وتأخرت فى اتخاذ قرار حاسم بضرب السد فى الوقت المناسب، حتى وصلنا إلى الوقت الذى يصعب فيه ترميم هذا الخطأ؟
هل ربطت مصر بين أزمة سد النهضة، وأزمة ليبيا، ولم تتحرك إلا بعد أن قطع الخصوم شوطا طويلا، وبات من الصعب أن ترجعهم مصر أو تردعهم بالطرق التقليدية الدبلوماسية؟
هل آلية صنع القرار المصري، تدفع بمصر إلى السعى لامتلاك قدر كبير من التفاصيل فى الأزمات التى تحيط بالبلاد، غير أنها تفتقد إلى رؤية دقيقة تتعامل وفقها مع هذه الأزمات؟
هل تأخرت مصر فى اللجوء إلى الهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وعندما لجأت إلى مجلس الأمن كان قد تراكمت أمامها جملة من المشكلات، فيما نجحت إثيوبيا فى توظيف أدواتها لخلق صورة سلبية عن منافستها مصر ونسجت علاقات مع قوى مختلفة، بعضها أيد أديس أبابا فى العلن وأغلبيتها وفرت لها شبكة أمان خفية؟
هل أضاعت مصر كثيرًا من الفرص السانحة، ومكّنت دولة مثل تركيا من استغلال الفراغ العربى والتوغل فى دول عربية وأفريقية، بينما بدت مصر، المعادل الموضوعى لتركيا فى المنطقة، مكبلة بهواجس تقليدية لو تخلت عنها قليلا لنجحت فى تغيير توازنات كثيرة تصب فى مصلحتها؟
(2)
أربعة أسئلة، تضمنها بصياغات مختلفة تقرير نشرته الأسبوع الماضى صحيفة «عرب» الإماراتية، الغيورة على مصر، وأعدت هنا صياغتها، وترتيبها حتى تصبح أكثر مباشرة، ووضوحا، وتتيح لنا أن نفكر فيها، ونبحث عن إجاباتها، خاصة أن مصدر الأسئلة (صحيفة العرب الإماراتية) مصدر موثوق فيه، وتقريرها ليس «نيران صديقة» ولكنه طلقة كاشفة، نحتاجها بالفعل لمزيد من الرؤية لموضع أقدامنا الآن.
والأسئلة الأربعة السابقة كانت تمهد للسؤال الخامس، الحاسم والأهم – من وجهة نظرى – وهو:
هل معظم التحركات التى تقوم بها القاهرة فى قضايا حيوية، مثل أزمتى ليبيا وسد النهضة، أصبحت تأتى كردود أفعال، حيث تنتظر مصر معرفة كيف سيتصرف الآخرون ثم تضبط بوصلتها، مما جعل قوتها العسكرية الكبيرة والمتطورة منضبطة وغير مقلقة، كما تقول «الصحيفة».
(3)
لفت - أيضا - نظرى فى التقرير المشار إليه عبارة تقول: «ومكّنت (مصر) دولة مثل تركيا من استغلال الفراغ العربى والتوغل فى دول عربية وأفريقية».
وأردف التقرير علامات الاستفهام الاستنكارية العديدة السابق طرحها بخبر مفاده أن مبعوثا خاصا لرئيس الوزراء الإثيوبي، قام بزيارة إلى تركيا الخميس الماضى (16 يوليو الحالى)، متوقعة أن يكون ذلك نوعا من التنسيق بين البلدين للضغط على مصر من الجنوب والغرب.
وكل ما سبق يصب فى التأكيد على أن الآخرين سبقوا مصر بخطوات خاصة فى قضية سد النهضة تحديدا، وبات الآن أنها لا تستطيع التلويح بالخيار العسكرى أو استبعاده تماما.. فما صحة هذا الكلام إذا نسبناه إلى الواقع؟
(4)
والآن بالفعل نحن نحتاج إلى رؤى مختلفة نرى من خلالها أنفسنا، وهذا شىء جيد خاصة إذا جاءت هذه الرؤية - النصيحة من صديق لا نشك فى صدق نواياه ولا محبته الصادقة، وإذا كان لنا أن نرد على هذا الطرح السابق نقول للأصدقاء فى الإمارات إن عامل الوقت أيضا فى السنوات التسع الماضية – تحديدا - لم يكن فى صالح مصر، وست من هذه السنوات التى تولى فيها الرئيس عبد الفتاح السيسى، كانت مصر تحتاجها لتعيد بناء جيشها القوى، وتم إنجاز هذا بالمناسبة فى وقت قياسى، هذا أولا، وثانيا، لم يكن لمصر أن تغامر بخوض حرب تنجر لها، خارج الحدود، وهى لم تؤمن داخلها بل تخوض معركة الإرهاب فى سيناء، وتطارد الخونة والإرهابيين، فى كل بقاع الداخل المصرى، ثم وهى تدرك أن كثيرًا من الدعايات الخادعة من جهات مختلفة تدفعها إلى مغامرة الاندفاع لضرب السد أو التورط فى المستنقعات الإرهابية، والاحتراب الداخلى فى دول أخرى (قبل التدخل التركى) وحتى لا ينتهز أعداء مصر الفرصة للانقضاض عليها، ومحاصرتها سياسيًا على الأقل، والعمل على تقويض دعائم لم تكن قد رسختها الدولة بعد الفوضى التى تسببت فيها أحداث 25 يناير 2011.
وقرار الحرب كلمة من السهل نطقها، وطلقة أولى، يضغط شخص على الزناد فتخرج، لكن ستجر خلفها ملايين الطلقات، وأعداد لا يعلمها إلا الله من الضحايا، وحجم من الخسائر ربما يصعب تعويضه لسنوات طويلة يؤثر على حياة البشر ومعايشهم، ولو كان الأمر بهذه السهولة، لحسمت الحرب أزمة الحوثيين شوكة إيران، وخنجرهم فى الجنوب ضد الشقيقتين السعودية والإمارات.
كلمة أخيرة، الخيار العسكرى مطروح، لكن لم يكن لمصر التى طرحت مبادرة «إسكات البنادق» وهى ترأس الاتحاد الأفريقى أن تبادر إلى هذا الخيار وتضرب سد النهضة، أما العربدة التركية فى المنطقة فمحطتها الأخيرة ليبيا، وفى هذه مصر لم تتأخر، وإن غدا لناظره قريب.