أحمد جمال البنا يكتب: الدين كما يطلبه المستمعون
أحمد جمال البنا يكتب: الدين كما يطلبه المستمعون
الآن ومنذ عدة عقود انتشرت بين الناس ظاهرة أسميها ( الدين كما يطلبه المستمعون ) ...
إن طبيعة الناس والشعوب غالباً ما تكون ضد الحكام وأصحاب السلطة إلا فيما ندُر ، ويعتقد الكثيرون أنه مادام أصبح الرأى شعبيا فى مسألة ما فلابد أن يكون رأى عالم الدين موافقاً لما يراه الناس ، وبالتالى تكون الفتوى الصادرة من عالم الدين دائما على خلاف مع صاحب السلطة ، وإلا أصبح هذا العالم مفتى السلطان الذى يبيح الحرام خوفاً منه أو طمعاً فى زيادة من متاع الدنيا الزائل .
ولا شك فى أن هذه النظرة السطحية إنما أسسها وغرسها فى نفوس الناس أصحاب الجماعات المتطرفة الذين يطمعون فى نزع الثقة بين المحكوم والحاكم حتى يروق لهم استغلال الموقف والانقضاض على المصالح التى يريدونها . وقد أسسوا تلك النظرة من خلال نظرتهم السطحية وعدم الدراية الكاملة من قبل عموم الناس لعلم الشريعة .
تصور البعض ان العالم او الشيخ لابد أن يفتى بما يريد الناس او بما يطلبه المستمعون ، حتى يكون ذلك البطل الواقف أمام السلطان يناهضه لحماية شرع الله وإن فعل ذلك فهو على الحق المبين وإلا فهو الشيخ المنافق الذى يبيع دينه بعرض من الدنيا .
وفى هذا العصر انتشرت الظاهرة من جديد ، ولكن على صفحات مواقع التواصل الاجتماعى ، فطهر لنا هذا النموذج الذى يدعى حماية الدين من معارضيه حتى لو وقف أمام السلطان بل أمام الدنيا كلها ، فتنقلب الدنيا رأساً على عقب ، فتزيد التعليقات واعداد النشر فيحصل على ما يريد من صورة الشيخ المناضل الذى يعارض الجميع من أجل حماية دين الله ..
والله أعلم بالنوايا إن كان هذا لأجل الحصول على مزيد من الشهرة او الأموال ، أو إن كان ذلك بنية صالحة يريد بها وجه الله ، لكن أياً كان ما فى قلوبهم ، فما يحدث على خلاف كبير مع الحق .
فالمفتى يقول ما يرضى الله .. لا شأن له بما يطلبه المستمعون أو ما يريده الحاكم ، وفى بلادنا لا يٌكره حاكم أى عالم على الصدع بما يغضب الله ، فالمرجعية الأولى فى البلاد للشريعة ، وإنما ذلك الوهم الذى صور للناس أن العالم و المفتى لابد أن يكون ضد السلطة حتى وإن كانت السلطة على حق !!
الغريب أن الكثير يعتقد أن الإسلام فى حرب دائمة .. مع الملحدين والعلمانيين وغير المسلمين ، ولابد أن نظل هكذا فى مشاجرة مستمرة حماية عن دين الله اعتقاداً منهم بأن الجميع يتربص بالإسلام ، بل إننا ننتظر أن نُظهر العداء لغير المسلمين طمعاً فى الانتصار عليهم فى أى موقف حتى ولو كان سطحياً لا ينفع الإسلام بشىء .
وهذا اعتقاد أصحاب العقول المحدودة ممن يتخذون الدين ساتراً لتنفيذ مصالحهم الشخصية ، يوهمون به الناس لتقوى بهم شوكتهم على أنظمة الحكم المختلفة وللاسف يوافقهم الكثيرون على ذلك رغبةً فى إرضاء الله ظناً منهم بأنهم هكذا يدافعون عن دين الله تعالى .
كل هذه الأفكار من قبيل فكرة المظلومية القديمة التى بثتها فى نفوس الناس هذه الجماعات المتطرفة ، فليس فى الأمر مؤامرات إنما هى المصالح التى تحكم تعامل الشعوب ببعضها الآن.
لذلك فالمفتى والعالم لابد له أن يقول ما يرضى الله ، لا ما يريد الناس أن يسمعوا منه فعموم الناس ليس دائما على صواب كما قال الله تعالى :" ولكن أكثر الناس لا يعلمون " فدور العالم أن يُعلم ويربى ويصبر لا أن يوافق هوى الناس حتى يظل فى عيونهم بطلاً جسوراً استغلالاً لحبهم فى الدين وجهلهم بالحق ومراد الشريعة .