بقلم - عاطف عبد الغني
(1)
صباح الثامن من أبريل عام 1970 قصفت طائرات من طراز فانتوم مدرسة ابتدائية في قرية بحر البقر بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية، وأسفر الهجوم عن استشهاد 30 زهرة من التلاميذ الصغار ومعلميهم، وإصابة 50 آخرين، وتدمير مبنى المدرسة تماماً، وسجل التاريخ الواقعة تحت عنوان "مجزرة بحر البقر"، وكذبت إسرائيل على العالم وادعت أن المدرسة قاعدة عسكرية ومصر تضع فيها الأطفال للتمويه (!!).
كانت قد سبقت هذه الغارة البشعة، مذابح أخرى نفذها سلاح الجو الإسرائيلى فى العمق المصرى، إبان حرب الاستنزاف، منها الهجوم على مصنع أبو زعبل للحديد والصلب، وقصفه فى شهر فبراير عام 1970 أثناء تواجد فيه ما يقرب من 1300 عامل مدني، قتل منهم 70 وأصيب 69 عاملا، وكعادتها كذبت إسرائيل على العالم وأعلنت أنها قصفت المصنع بطريق الخطأ.
وأغارت الطائرات الإسرائيلية على محطة محولات نجع حمادي مرتين، وعلى مناطق فى الدلتا والمعادى وحلوان ودهشور، ضاربة عرض الحائط بالمواثيق والمعاهدات الدولية، التى تحمى المدنيين فى حالة الحرب، ناهيك عن الأعراف، والقيم الإنسانية فى تقاليد الحروب.
كان هدف إسرائيل من ضرب أهداف مدنية، زرع الرعب فى قلوب المصريين، والضغط على القيادة الممثلة فى الرئيس عبدالناصر، وإجباره علي وقف الهجمات التي استنزفت إسرائيل وسببت الرعب لقوات الاحتلال فى سيناء خلال حرب الاستنزاف، والموافقة على مبادرة روجرز لوقف إطلاق النار، ولم تتوقف هذه الغارات الخسيسة إلا بعد استكمال بناء حائط الصواريخ على شاطئ القناة عام 1970 ، وبعده لم تستطع طائرات إسرائيل المرور من غرب القناة والإغارة على مدن العمق فى دلتا مصر.
(2)
واندلعت حرب 6 أكتوبر 1973، بهجوم كاسح من سلاح الجو المصرى، شملت موجته الأولى 200 طائرة، حققت أهدافها بنسبة نجاح هائلة، وبأقل من الخسائر المقدرة، ثم تلتها موجة ثانية، ضربت محطات الرادر الإسرائيلية على الجانب الآخر من القناة وعطلت دفاعات العدو، ومع الموجة الثالثة أرسلت مصر إنذارا شديد الوطأ على قلوب الإسرائليين، وقادتهم الذين عاشوا دقائق من الرعب مرت عليهم كالدهر، وقد حمل رسالة محددة، وهى مصر قادرة على الوصول إلى تل أبيب وضربها، بل قادرة على إبادتكم بالفعل إذا انتوت ذلك وعملت له.
(3)
من خلال فيلم وثائقى "أجنبى" عن حرب أكتوبر على جبهة سيناء، عرفت هذه المعلومة لأول مرة وبحثت عنها فى مراجع عربية، فوجدت أن الباحث والمؤرخ المتخصص توحيد مجدى قد سبق بالكشف عنها، ونقلت عنه مجموعة 73 مؤرخين.
كانت عملية سرية وانتحارية معاً (كما وصفها بعض المؤرخين)، وتعتمد على السرعة الخاطفة، وفى هذه العملية تم تكلف فيها اللواء طيار مبارك قاذفة استراتيجية ثقيلة الوزن روسية الصنع من طراز " توبوليف - TU16" انطلقت ضمن أسراب النسق الجوى المصرى الثالث المسند إليه مهمة دك الحصون العسكرية الإسرائيلية الرئيسية فى عمق تجمعات العدو.
وتخيلوا طائرة يبلغ طول أجنحتها 66 مترًا، وطول الصواريخ التى تحملها 34 مترًا ، تبلغ سرعتها القصوى 1050 كيلو مترًا فى الساعة ومداها النهائى 7200 كيلو متر، وتستطيع أن تحمل 79 ألف كيلو جرام، من المتفجرات أو "قنبلة ذرية يصل وزنها 4800 كيلو جرام فى العمق"، وعندما تشارك هذه الطائرة فى الهجوم وتصل إلى مشارف العاصمة الإسرائيلية، فمعنى ذلك أنها حملت الجحيم النهائى لإسرائيل.
فجأة ظهرت الطائرة المصرية أمام السواحل الإسرائيلية فوق البحر المتوسط، فانطلقت صفارات الإنذار لأول مرة فى تاريخ إسرائيل معلنة عن ضربة جوية مصرية وشيكة على المدينة الساحلية، وهرب قادة إسرائيل قبل مواطنيها إلى المخابئ، وعاشت إسرائيل زمنا من الرعب لم تشهده منذ قيام دولتها عام 1948.
و تحولت كل الأهداف العسكرية والسياسية أو حتى المدنية داخل مدينة تل أبيب منذ لحظة رصد دخول القاذفة المصرية الاستراتيجية العملاقة الأجواء الإسرائيلية إلى هدف محتمل، وقيل أن الهدف كان ضرب مبنى وزارة الدفاع الإسرائيلية، خرجت طائرتان فانتوم يقودهما أبرع طيارى إسرائيل لمهاجمة الطائرة المصرية، على الفور ومنعها من تحقيق هدفها، لكن لم يمنع هذا طيارها الشجاع الخرافى من أن يسقط صاروخا تم تدميره فى آخر لحظة قبل أن يضرب "كورنيش" تل أبيب، ولم تنجح مطاردة الطائرة المصرية التى ناور قائدها، والتف عائدا إلى مصر، وقد حقق الهدف من العملية.
(4)
كان الهدف من هذه الإغارة أن تتأكد إسرائيل أن مصر قادرة على ضربها فى العمق، إذا تجاوزت خلال الحرب وهاجمت الداخل المصرى، وأدركت إسرائيل الرسالة، وأصدرت جولدا مائير رئيس الوزراء فى هذا الوقت تعليمات بعدم مهاجمة المدنيين، ليس عن نبل أو طيب أخلاق، ولكن عن رعب، الردع، والدليل أن أثناء إغارة الطائرة المصرية استجارت القيادة الإسرائيلية بالرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون، وطلبت منه توسيط الأمين العام للأمم المتحدة " كورت فالدهايم" ليحادث الرئيس السادات فى عدم مهاجمة أهداف مدنية، ورد السادات أن مصر تحترم الاتفاقيات الدولية.