عشاق الظلام
عشاق الظلام
بقلم - حسين خيري
النوم سلطان لا يغلبه جان، إنما قلب عاشق يمكنه أن يطير النوم من عينيه، ولا يخلد النوم فى عيون العباقرة من العلماء والمفكرين والشعراء والمهتمين بالقضايا الإنسانية، فهذا توماس أديسون مخترع المصباح الكهربائى كان نومه مقسم على فترات قصيرة ومتباعدة على مدار اليوم ويتراوح مدتها 3 ساعات، ونفس الأمر عند ليونارد دافنشى كان لا يتجاوز نومه ساعتين فى اليوم.
وصنف آخر من الناس لا ينامون لفترات طويلة، وهم من أفذاذ السياسة والمال، ومنهم الملياردير، "ريتشارد برانسون"، مدير مجموعة فيرجي، ويلقبونه بالمدير الأفضل فى العالم يستيقظ يوميًا فى الخامسة صباحًا، يمارس نشاطه الرياضى ويقضى بعض الوقت مع عائلته، ومارجريت تاتشر الشهيرة بالمرأة الحديدية ورئيسة وزراء بريطانيا لمدة 15 عاما، كانت لا تنام أكثر من 4 ساعات يوميًا، وهؤلاء جميعًا يهرب النوم من أعينهم، بسبب بحثهم الدؤوب عن حلول لقضايا تعود بالفائدة على الكثير، وقد تكون فى صالح البشرية كلها.
وفى أوقات يصبح النوم نقمة حين يستغرق الإنسان فى النوم، ويؤجل عمله ويهمل مصالح الآخرين، ولا يعنى هذا سوى الكسل والخمول، والكسول صفة تطلق للتوبيخ، ورصدت الإحصاءات أن هناك مليار شخص حول العالم يعانون من الكسل الشديد والرغبة فى النوم طويلا، وأشارت أبحاث أن كسالى العالم يكلفون الاقتصاد العالمى خسارة بـ 76.5 مليار دولار سنويًا، وليس المليار الكسالي كلهم متقاعسين عن العمل ويخلدون إلى النوم، فما يقرب من نصفهم مصابين بأمراض السكرى وضغط الدم والقلب والسرطان.
وكما أن الكسل وحُب الخلود إلى الراحة يصيب بعض البشر، فهو يعترى أيضًا عددا من الدول، وأصبح هناك تصنيف أممي تحت مسمى «الشعوب الأكثر كسلا»، وجاء فى قائمة تصنيف الأمم المتحدة من الدول العربية العراق واحتلت المركز الرابع، وتصدرت البرازيل قائمة الأمريكتين، وعلى النقيض دولا الأكثر نشاطًا كالأردن وأوغندا.
وترى حالات يصدر العقل أوامره باليقظة وبكامل إرادته لشعور الإنسان بالسعادة الغامرة، نتيجة وقوعه فى شباك الحب أو لسماعه خبر سار يشتاق إليه، وهذا حرصًا منه ألا يفقد لحظة واحدة من الإحساس بالسعادة، فلا نستغرب إذا من حال أهل الجنة الذين لا يذقون النوم أبدًا، فكل لحظة تمر عليهم تحمل مفاجآت غاية فى الجمال، ولا تخطر على قلب بشر، وفى الحديث الشريف «سئل الرسول هل ينام أهل الجنة؟ فقال النوم أخو الموت وأهل الجنة لا ينامون»، وشغل أهل الجنة ليس سوى التلذذ بالنعم وقال تعالي: «إن أصحاب الجنة اليوم فى شغل فاكهون»، أما شغل أهل الدنيا كد وتعب، ويحتاجون للنوم لاستعادة نشاطهم من أجل استمرار الحياة.
والنوم كما يعد الموتة الصغرى وفيه خلايا تموت وتتساقط على وسادة السرير، ورغم هذا فإنه نعمة منحها الله للإنسان فى الدنيا، وحرمانه من النوم يعد تعذيبًا له وقد يؤدى به إلى الوفاة، وأثناء نومه العميق يعمل جسمه كحاسب آلى يستعيد المعلومات من الذاكرة، ويرسل الدماغ إشارة للمنطقة المسماه «تحت المهاد» لتعطل عمل كل مراكز التحفيز لضمان نومًا جيدًا، وهذا طبقًا لكلام الموقع الروسي «إف. بي. ري»، وترسل خلايا الدماغ إشارات لوقف حركة عضلات الجسم خلال النوم، وتعمل مع الدماغ أجهزة أخرى كالغدد الصنوبرية لتسمح بالنوم الهادئ، والغدد النخامية تفرز هرمونات النمو، والنوم يحفز جهاز المناعة لمقاومة الالتهابات.
وفى المقابل نوم المضطرب لا يحصل فيه على القسط كافى من النوم، وينعكس عليه بآثاره السيئة، وكذلك النوم عند عاشق الظلام، يسعده السهر فى الليل، وبسبب كرهه للنهار يهرب إلى النوم فيه، وأطلق علماء النفس على داء عاشق الظلام بمتلازمة «صديق الليل» أو النيكتوفيليا.
وإنسان العصر الحديث دائمًا يغلب على نومه الاضطراب، فلا داعى للقلق فالعلماء يعكفون على أبحاثهم بحثًا عن استقرار بال هذا الإنسان المسكين، وفى النهاية أتمنى لك نومًا هادئًا.