إنه مجرد "بونبون" على حد وصف الصحفية والمؤرخة البريطانية فرانسيس ستونور سوندرز Frances Stonor Saunders، صاحبة كتاب "الحرب الباردة الثقافية - من الذي دفع للزمار – (Who Paid the Piper) – إذ تغدق أجهزة استخبارات بعض الدول الأموال على مراكز الأبحاث والمنظمات المتخصصة فى البحوث الاجتماعية وحقوق الإنسان والمراكز الثقافية وما يعرف بمراكز الاستشارات من أجل تنفيذ استراتيجيات تلك الدول".
وبحسب ما ذكره "جلبرت جرين واي" أحد رجال المخابرات الأمريكية "CIA"، "أذكر أنني عندما التقيت ذات مرة أنا و"ويزنر" ومراقب الحسابات بأحد مكاتب الاستخبارات خارج الولايات المتحدة، صرخت يا إلهي كيف لنا أن ننفق ذلك كله؟ لم يكن هناك حدود، ولم يحاسب أحدٌ أحدًا، كان أمرًا مذهلًا".
إنه الواقع.. أن تُطحَّن عظامُ الشعوب وتُفكَّك الدول عندما تغيب العقول، وتصبح الأوراق والأبحاث المسمومة هي مصدر المعلومات.. مراكز لا تعرف للدقة سبيلًا، إنما تحركها الأيدولوجيات ومصادر التمويل.
مراكز تحمل لافتات براقة فى بنايات تتوسط عواصم الدول تحت شعار: "تقديم الاستشارات والدراسات ووضع الاستراتيجيات"، ومؤسسات تطلق على نفسها ألقاب مراكز أبحاث ومنظمات ومعاهد وأكاديميات، وتختم عنوانها بعبارة "مؤسسة غير هادفة للربح" وهي فى حقيقة الأمر تتربح من دماء الشعوب، وتقف على جثثهم، وترتقي على ركام الدمار الذي خلفته بعد إصدارها لتقارير وأوراق بحثية ممنهجة لخدمة دافعي الأموال، وتنفيذ مخططات استخباراتية لتفكيك الدول وإشعال الحروب فيها.
(1)
أُنشِّئت عشرات المراكز بالمنطقة العربية والشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين، جميعها إما بتمويل قطري وتخطيط من الإدارة الأمريكية أو من بريطانيا أو من التنظيم الدولي لجماعة الإخوان الإرهابية أو أجهزة استخباراتية أوروبية فاتخذت فى عدة عواصم مقرات لها.
سواء فى الدوحة أو اسطنبول أو لندن أو واشنطن أو بيروت أو الدار البيضاء أو فيينا، استهدفت تلك المراكز بسهامها عقول شعوب هذه المنطقة.
عقب نشر مقالي فى العدد الماضي تلقيت العديد من الرسائل لعدد من السفراء والزملاء الإعلاميين يطلبون استكمال كشف أوراق تلك المراكز التي تطلق على نفسها مراكز بحثية، وهي فى الحقيقة ضمن منصات نشر الكذب والشائعات والتضليل وتغييب العقول.
فى عام 2018 أنفقت الدوحة أكثر من 480 مليون دولار قدمتها دعمًا لأربعة مراكز ومعاهد بحثية حسب تسميتها الظاهرة وهي (مركز مالكوم كير - كارينجي الشرق الأوسط - والذي كان يُعرف باسم مركز كارينجي الشرق الأوسط حتى أكتوبر الماضي عندما تم تغيير الاسم ليحمل اسم رئيس فرع الجامعة الأمريكية فى بيروت - وأكاديمية التغيير بفيينا، والمعهد المصري للدراسات بإسطنبول)، هذا إلى جانب صحيفة ميدل إيست آي Middle East Eye"" فى لندن، وميدل إيست أوبزرفر "Middle East Observer" التي يرأس تحريرها عادل رفيق أحد عناصر جماعة الإخوان الإرهابية؛ ويشارك التنظيم الدولي للجماعة الدوحة فى دعم المؤسسات الثلاثة الأخيرة حيث يقدم لها دعمًا سنويًا يصل إلى 130 مليون دولار، بل أن المعهد المصري للدراسات بإسطنبول تلقى دعمًا من المخابرات التركية عام 2019 و 2020 بلغ 40 مليون دولار.
(2)
إنها صورة حقيقية لما يتم من إنفاق أجهزة الاستخبارات من أجل طحن عظام الشعوب بعيدًا عن استخدام البارود بل يستخدمون عقول تلك الشعوب لتبيع لهم السلاح الذي يتقاتلون به.
ولا يقتصر الأمر على عدد من المراكز والمؤسسات والمعاهد البحثية المدعومة من الدوحة والإخوان وتركيا وبعض من الدول الأوروبية، فثمة سلسلة ضخمة من تلك المراكز البحثية والمنصات الإعلامية التي تقدم الكذب والزيف مغلفًا بعبارة (دراسة بحثية) ومنها خمسة مراكز فى الكويت، وسبعة مراكز بحثية متخصصة فى المملكة العربية السعودية، وثلاثة مراكز أخرى فى الدوحة، ومركزين بالبحرين، بالإضافة إلي أربعة مراكز أخرى فى الإمارات، و14 مركزًا بحثيًا فى تركيا.
تلك المراكز المدعومة من الدوحة وتسيطر عليها كوادر الجماعة الإرهابية وعناصر استخباراتية دولية تضع خطة عملها، هذا بالإضافة إلي المراكز الأخرى فى عدد من العواصم الأوروبية.
(3)
أعود بالحديث إلى أحد تلك المراكز التي تواصل توجيه سهامها المسمومة على المنطقة العربية والدولة المصرية بالأخص، وهو "المعهد المصري للدراسات" الذي تأسس عام 2014 ليضم بين ما يسمونهم بالباحثين عدد ضخم من كوادر الجماعة الإرهابية يصل إلى 295 شخصية معظمهم من الهاربين خارج البلاد من أحكام قضائية.
يرأس المعهد، الذي يتخذ من إحدى البنايات الفاخرة بمدينة إسطنبول التركية مقرًا له، "عمرو دراج" القيادى الإخوانى وزير التخطيط والتعاون الدولي خلال الفترة من مايو إلى يونيو 2013.
وبلغت ميزانية المركز الذي يحمل لافتة "مؤسسة غير هادفة للربح" 150 مليون دولار خلال العام 2019 – 2020، توفرها كل من قطر وتركيا والتنظيم الدولي لجماعة الإخوان.
يصدر المركز مجلة فصلية وصفها بأنها (فصلية، علمية، مُحكَمة) وهي فى الحقيقة تضم مجموعة من الأوراق لا تحمل سوى الزيف والكذب الذي تقدمه للشعوب العربية بشكل عام وللشعب المصرى بشكل خاص؛ فقد عمَد المعهد أن يقدم محتوى يخدم التنظيم الإرهابي ويسوق لأكاذيبه فى أوراق وصفها بالعلمية، وهي غير ذلك تمامًا، وقد خصص المركز 85% من محتوى تلك المجلة الفصلية لمصر فقط دون دول المنطقة.
خلال الفترة الأخيرة خاصة أشهر سبتمبر أكتوبر ونوفمبر، ركز المعهد فى التقارير التي أعدها باحثوه بحسب وصفه لهم على الوضع الداخلي المصري، بدأ بالمظاهرات المزعومة لحليفهم المقاول الهارب "محمد علي" ووضع المعهد مجموعة من السيناريوهات التي كانت بمثابة خطة عمل للجماعة الإرهابية خلال شهر سبتمبر الماضي وأجهضها وعي الشعب المصري.
فى الوقت الذي كانت مصر تحتفل فيه بذكرى أعياد أكتوبر حرص المعهد على تقديم مجموعة من التقارير التي تستهدف مؤسسات الدولة المصرية، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، قدمها المدعو "عادل رفيق" أحد كوادر التنظيم الإرهابي والذي تم تعيينه رئيسًا لتحرير جريدة "ميدل إيست أوبزرفر" التي تأسست عام 2016 فى لندن كأحد الأذرع الإعلامية للجماعة الإرهابية الناطقة باللغة الانجليزية والتي تتلقى دعمًا سنويًا يصل إلى 10 ملايين دولار، ورغم أنها موقع على شبكة الإنترنت إلا أن جميع العاملين به والمعاونين لعادل رفيق يعملون فى مراكز بحثية بلندن تستهدف الدولة المصرية وتشويه ما حققته من إنجازات، ومواصلة إعداد ملفات تقدم على أنها أوراق بحثية ودراسات متعمقة حول حقوق الإنسان فى مصر.
وقد حرص عادل رفيق الذي تلقى مكافأة قدرها 20 ألف دولار بخلاف مرتبه من المعهد المصري للدراسات وراتبه من "ميدل إيست أوبزرفر" بعد إعداده 39 تقريرًا بعنوان "رسائل كلينتون"، ومع زيادة الدعم والمكافآت نشر عادل رفيق تقريرًا مطولًا فى صحيفته يهاجم فيه الدولة المصرية ويمتدح أصحاب الأموال (تركيا) بينما يغض الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان التي تسجلها العدسات ليل نهار من حكومة أردوغان وما تمارسه من اعتقالات وما ارتكبه فى حق بعض القضاة.
كما تصدر موقعه، الذي يحصل على 10 ملايين دولار سنويًا دعمًا من الجماعة الإرهابية وأنقرة، تقرير حول استراتيجية تركية للنمو الاقتصادي.. فى الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد التركي من أزمة ضخمة أقال أردوغان على إثرها محافظ البنك المركزي.
تطابق مع التقارير التي نشرتها "ميدل إيست أوبزرفر" تقريرٌ نشره المعهد المصري للدراسات.
كما خصص "عادل رفيق" قسمًا خاصًا فى موقعه لمتابعة أخبار ما أسماه بـ "الدولة الإسلامية "
لم تكن تلك الصحيفة فقط أو ذلك المركز من يقدم الأوراق والأبحاث المسمومة، بل كان يقدمها موقع "ميدل إيست آي" الذي تأسس فى لندن بالتزامن مع إنشاء المعهد المصري للدراسات وبتمويل قطري بلغ 7 مليون دولار ورُصِدت له ميزانية سنوية ليوجه خطابه إلى الداخل الأوروبي ونقل وجهة نظر الإخوان عن الأوضاع فى المنطقة العربية.
كما نشر موقع "ميدل إيست آي" تقارير مغلوطة ساهم فى صياغتها التحريرية الصحفى البريطاني "ديفيد هيرست" الصحفى بالجارديان البريطانية.
تستخدم الجماعة الإرهابية مراكز الأبحاث المزعومة والأكاديميات والمعاهد والمواقع الإعلامية بعد أن قامت بإنشاء الكثير منها وتوغلت فى إدارة مراكز ومواقع إعلامية أخرى بهدف الاستمرار فى تقديم الكذب وترويج الشائعات وتزييف الوعي بحثًا عن طريق للعودة إلي المشهد من جديد.
وبدعم متواصل لا ينقطع من الدوحة وأنقرة والتنظيم الدولي للجماعة الإرهابية ودعم معلوماتي ولوجستي من أجهزة استخبارات بعض الدول، تواصل تلك المراكز تقديم الأوراق المسمومة بهدف ضرب الاستقرار والتأثير على وعي الشعوب لتدمير الدول، الأمر الذي فطن إليه المصريون.
إن استهداف تقارير تلك المراكز والمعاهد لمؤسسات الدولة بهدف التشكيك فى أدائها أو تقديم صورة مغلوطة عنها هو أحد أساليب حروب الجيل الرابع لتقديم نموذج الدولة الفاشلة (وهو ما ينافى الحقيقة والواقع) من أجل إشعال حالة الغضب فى الشارع لتنطلق معه شرارة الفوضى.
إننا أمام مرحلة من أهم المراحل فى تاريخ الوطن فى ظل متغيرات من المتوقع أن تضرب المنطقة خلال الفترة القادمة، مما يتطلب منا جميعًا الاصطفاف خلف الدولة المصرية وقيادتها لعبور تلك المرحلة ومواجهة المخاطر والتهديدات.
إن تلك المراكز البحثية ليست سوى ستار يستهدف تزييف الوعى ونشر الأكاذيب من خلال تقارير معتمدة بخاتم مركز الأبحاث والدراسات العالمية وممهورة بتوقيع باحثين انتقتهم المخابرات الأمريكية بدقة شديدة.