محمد نجم يكتب: مصر.. وقواها الناعمة!
محمد نجم يكتب: مصر.. وقواها الناعمة!
كان الحوار مع د. يوسف غرباوى، رئيس جامعة جنوب الوادى متشعبًا وممتعًا، خاصة عندما عرجنا بالحوار حول الثقافة والكتب ودور دار المعارف فى هذا المجال، ولكنه باغتنا بملحوظة ناقدة، حينما قال: أعتقد أن الأدب بعافية شوية!، وكان ردى السريع والمباشر.. ليس الأدب وحده الذى يفتقد العافية، فالمجتمع مثل الأوانى المستطرقة، يتساوى فيها المحتوى رغم اختلاف الأشكال والأحجام والوظيفة، ثم إن الأدب «نتيجة» لعوامل كثيرة.. أهمها النشأة والتعليم وطبيعة العلاقات فى المجتمع، فضلًا عن «الحيوية» والتفاعل البناء والديناميكى بين أفراده ومكوناته!
وبعد دفاع وشرح وتوضيح لم تطاوعنى نفسى بالخلاف مع ملحوظة د. يوسف، بل إننى زدت عليها بتراجع القوى الناعمة المصرية بشكل عام!
وبعد العودة من قنا لم أستطع التخلص من تأثير ما جرى من حوار ممتع، بل بدأت الأسئلة تلح على ذهنى بحثًا عن إجابة أو حتى لمجرد طرحها للنقاس العام لعل وعسى.
ونبدأ بالسؤال الأساسى: هل مازلنا نملك «القوى الناعمة» التى وضعت مصر من قبل على خريطة الاهتمامات الدولية والإقليمية؟
والإجابة المباشرة والتلقائية: نعم.. نملك العديد من عناصر تلك القوى، ولعل فى مقدمتها.. التاريخ والموقع والخصائص السكانية، والثقافة والفنون، والرياضة والسياحة والآثار.
ولماذا تراجع استخدام تلك العناصر، خاصة أن العالم كله يتحدث الآن عما يسمى بحروب الجيل الرابع والخامس.. إلخ.. بمعنى انتهاء عصر الحروب المسلحة والحروب الباردة واستخدام القوة العسكرية والاقتصادية، والاعتماد على الإعلام والدبلوماسية والثقافة وبعض المميزات الأخرى للتأثير الخارجى بما يؤدى فى النهاية إلى تحقيق الأهداف وحماية المصالح.
ولماذا حدث هذا التراجع؟ هل لغياب العناصر البشرية؟ أم لعجز فى التمويل؟ أم لأسباب أخرى؟
وأعتقد أن الإجابة المباشرة هى الأسباب الأخرى، فالعناصر البشرية المصرية مازالت تتمتع بالكفاءة والقدرة على الإنجاز والأداء المبهر فى مجالات مختلفة، ولا داعى لضرب أمثلة فى ميادين الفن أو الغناء أو الرياضة، فكلنا يلمس ويشاهد ما يحدث.
وأعتقد أن بعض الأنشطة أو المجالات المعبرة عن القوى المصرية الناعمة لا تعانى من عجز فى التمويل، بل قد يكون العكس!
وعلى سبيل المثال.. الاكتشافات الأثرية المتتالية مؤخرًا وبأعداد وأحجام مهولة.
وأيضًا تغيير طبيعة الحياة فى مناطق مختلفة فى المدن والمحافظات المصرية، واقصد العشوائيات وشبكات الطرق والزراعات الحديثة.. إلخ.
إذن المشكلة فى إدارة تلك العناصر المختلفة للقوى الناعمة المصرية، وحسن توظيفها، والتعبير عنها وإبراز مقوماتها وجمالياتها.
وعلى سبيل المثال، كم فيلم مصرى تم إنتاجه العام الماضى، وكذلك المسلسلات الملحمية.. مثل رأفت الهجان أو ليالى الحلمية.. وغيرها.
وأيضًا.. كم عدد الكتب الجديدة التى صدرت فى مصر خلال عام مقارنة بما يصدر سنويًا فى بعض الدول المجاورة؟ وهل مازال هذا الشعار سارى (مصر تكتب.. الشام يطبع.. والمغرب يقرأ)!
ثم ما هى القضايا القومية التى يتناولها الإعلام – خاصة التليفزيون – بالحوار والمناقشات الموسعة والمحترفة ليخلق حولها رأى عام قوى؟!
كم حجم المشاهدة للقنوات العامة فى التلفزيون المصرى مقارنة بالقنوات الخاصة؟، وما هو ترتيب قنوات الأخبار المصرية بين القنوات المماثلة فى الدول المجاورة؟!
فالثقافة بمكوناتها المختلفة من أفلام ومسلسلات ومسرح وأغانى.. وكذلك الإعلام المشاهد والمسموع والمقروء.. هما أسرع وأفضل الوسائل لإظهار القوى الناعمة المصرية والتعبير عنها.
فالملاحظ أننا – إعلاميًا – أنكفأنا على أنفسنا، وانشغلنا بأمور وقتية لا قيمة لها، والغريب أننا نسمح لها باحتلال مساحة كبيرة من الوقت والاهتمام، ولا أرغب فى تقليب المواجع – كما يقال – وأذكر البعض أن «صوت العرب» كان تجمع مواطنى الدول العربية من الخليج إلى المحيط.
وأن حفلات «كوكب الشرق» فى مساء الخميس الأول من كل شهر.. كانت موعد منتظر من جميع من يتحدثون العربية أو يفهمون الغناء العربى.
كان «الطب المصرى والتعليم المصرى» هما أمل كل مريض أو راغب فى التعليم من جميع الدول العربية والإفريقية، وكان لدينا وقتها ثلاث جامعات فقط، والآن لدين أكثر من 26 جامعة وفى طريقها لأن تصل لرقم 70.
إننى أعتقد أن «مراوغة» الإخوة الإثيوبيين فى مفاوضات سد النهضة.. ما هى إلا تعبيرًا عن تراجع القوى الناعمة المصرية!
لا أرغب فى ذكر المزيد.. ولكنى أنبه أن «القطار» مازال فى المحطة!