رمضان أبو إسماعيل يكتب: عذرا .. وزير المالية!
رمضان أبو إسماعيل يكتب: عذرا .. وزير المالية!
تعزيز الإيرادات العامة للدولة أمر محمود طالما طالبنا به، وتحقيق هذه الغاية يتطلب المزيد من الجهد، الذي يوفر أنسب البدائل لإدراك هذا الهدف، فإنه من اليسير اتخاذ قرار بزيادة سعر الضريبة لزيادة الحصيلة، لكن هذا القرار قد يرتب تداعيات اقتصادية واجتماعية تزيد في آثارها السلبية ما ترتبه زيادة الإيرادات من آثار إيجابية، وبالتالي فإن المسئول الحكومي مطالب بالعمل علي سلك الطريق الأجدر علي تحقيق زيادة في الحصيلة بأقل تداعيات سلبية.
ينبغي أن يحرص القائمون علي منظومة الضرائب أن يعملوا علي تعزيز الحصيلة الضريبية بأقل آثار اقتصادية أو اجتماعية، وذلك بإقرار ما يجب إقراره من تشريعات لمحاصرة ظواهر التهرب الضريبي، فإن العدالة تستوجب محاسبة المتهربين وتقليل حجم المتأخرات الضريبية قبل السعي في اتخاذ قرارات تفرض المزيد من الأعباء علي الممولين، ينبغي البحث عن ممولين جدد يتهربون من دفع الضرائب قبل زيادة الأعباء علي الملتزمين بدفع ما يستحق عليهم من أعباء ضريبية.
لا يمكن أبدا أن يستقيم فرض ضريبة قطعية علي المشروعات الصغيرة دون تحديد حد معين للاعفاء وشكل محدد للتدرج، لما يمثله هذا الإعفاء والتدرج من مراعاة للظروف الإجتماعية ومقتضيات العدالة الضريبية، فالنص في القانون رقم 152 لسنة 2020 بشأن المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، علي ضريبة قطعية علي المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر لن يكون حافزا أبدا لأصحاب هذه المشروعات، كما صرح د. محمد معيط، وزير المالية، بل يمثل هذا الأمر تحديا أمام أصحاب المشروعات متناهية الصغر.
البساطة لا تعني أبدا المصلحة سيادة الوزير، بل قد تمثل هذه البساطة تجسيدا لثقافة الاستسهال، التي باتت تغلب علي فلسفة بعض مؤسسات الدولة، فلا يمكن أبدا تحديد ضريبة قطعية وفقا لحجم المبيعات أو الأعمال، فهذا استسهال واضح، والقول بأن هذه الضريبة لا تحتاج إلى دفاتر أو مستندات أو فواتير شراء، بل يتم الاقتصار عند تحديد فئة الضريبة علي حجم المبيعات أو الأعمال، الذي يتحدد بإقرار صاحب المشروع، وذلك من خلال إقرار ضريبى مبسط سنوى واحد يُعده بدقة، ومصلحة الضرائب تثق فى تقديره.
القول بأن تكون الضريبة القطعية في حدود 1000 جنيه لكل مشروع حجم مبيعاته يقل عن 250 ألف جنيه سنويا، فيما تكون الضريبة 2500 جنيها إذا قلت عن المبيعات السنوية عن ٥٠٠ ألف جنيه، و5 آلاف جنيه إذا قلت عن مليون جنيه المبيعات السنوية، إما إذا تراوحت المبيعات أو الأعمال من مليون إلى ٢ مليون جنيه تكون الضريبة ٥,٪ من حجم المبيعات أو الأعمال، وإذا ترواحت من ٢ مليون إلى ٣ ملايين جنيه تكون الضريبة ٧٥,٪، وإذا تراوحت من ٣ ملايين إلى ١٠ ملايين جنيه تكون الضريبة ١٪.
بهذه الضريبة القطعية يا د. معيط، لن يكون هناك حد للإعفاء، بل تغيب العدالة الضريبية تماما عن أصحاب الفئة الأولي المفترض أن يدفعوا 1000 جنيه سنويا (مبيعات أو أعمال أقل من 250 ألف جنيه سنويا)، والفئة الثانية التي تقدر الأعباء الضريبية المفروضة عليهم بواقع 2500 جنيه سنويا ( مبيعات أو حجم أعمال قدره 500 ألف جنيه سنويا). فكل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر تكون ملزمة بدفع ضريبة سنوية تبدأ من 1000 جنيه تزيد في حالة زيادة المبيعات أو حجم الأعمال السنوية عن 250 ألف جنيه.
نعم، لا يتضمن القانون إعفاء أي مشروعات صغيرة أو متناهية الصغر، إلا في حال تقدم الممول بطلب في لإعادة فحص ملفه الضريبي لتحقيقه خسائر أو إرتفاع الضريبة القطعية أو النسبية المقررة بقانون تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، عن القيمة المحددة وفقًا لقانون الضريبة على الدخل، وأنه في هذه الحالة يمكن طلب المحاسبة بالقيمة الأقل وفقًا لقانون الضريبة على الدخل، ليتم ترحيل الخسائر لعدة سنوات، ويمكن أيضًا الرجوع لمظلة قانون المشروعات الصغيرة مرة أخرى بعد ٥ سنوات.
تنحصر الاعفاءات التي اقرها القانون في إعفاء المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر من ضريبة الدمغة ورسوم التوثيق والشهر لعقود تأسيس الشركات والمنشآت وعقود التسهيلات الائتمانية والرهن وعقود تسجيل الأراضى، بالإضافة إلي تخفيض الرسوم الجمركية من ٥٪ إلى ٢٪ على الآلات والمعدات والأجهزة اللازمة للنشاط.
عذرا وزير المالية .. ما جاء بالقانون قد يكون حافز لمشروعات معينة فيما يمثل تحد لمشروعات أخري، خصوصا التي تحقق حجم أعمال تضمن لأصحابها الإعفاء الضريبي، لتكون الضريبة القطعية عبء إضافي عليها، بحيث يكون الممول في هذه الحالة مضطر إلي تقديم طلب بفحص ملفه لمعاملته وفقا لقانون ضريبة الدخل، وهذا يعود بنا إلي تعقيدات كان علي هذا القانون مواجهتها.
يقلل هذا التحدي من إقبال مشروعات الاقتصاد غير الرسمي إلي الانضمام لمنظومة العمل الرسمي، لتخوفها من الالتزام بأعباء بمجرد اتخاذ قرار «الرسملة» ، بل كان من الأولي أن يتم النص علي قدر أكبر من الإعفاءات، والنزول بالضريبة القطعية إلي 250 جنيه مثلا، حتي لا تكون قيدا علي أصحاب المشروعات متناهية الصغر، خصوصا أن منها ما يمثل رقم 1000 جنيه سنويا معضلة.