المصرية اللبنانية تعيد طبع "مختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامي"

المصرية اللبنانية تعيد طبع "مختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامي"المصرية اللبنانية تعيد طبع "مختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامي"

غير مصنف12-1-2021 | 17:59

كيف نخاطب الغرب حين نقرر أن نتحدث عن تاريخ الحضارة العربية الإسلامية؟ سؤالٌ لا نكف عن طرحه دون أن نتمكن من تقديم إجابة شافيةٍ أو الدفع بحجةٍ مُقنِعة، وهو السؤال الشائك الذي يطفو على السطح كلما طرأ حدثٌ أو نهضت واقعة تسيء للثقافة العربية أو العقيدة الإسلامية وبخاصة في العالم الغربي وآخرها دارت رحاها قبل أسابيع قليلة، ثم ما يلبث السؤال أن يخمد والإجابات أن تحتضر مع انقضاء الواقعة المسيئة أو انطفاء الحدث. بل إن السؤال يغدو أصعب حين نغيِّر قليلاً من وِجهته لنوجهه لذواتنا: كيف نخاطب أنفسنا قبل الآخر، نحن ورثة هذه الحضارة ومعتنقي هذه العقيدة، وقد انفصلنا عن تاريخنا مكتفين بقشور غالباً ما تصلنا من أشخاص ليسوا بالثقات ومن جهات يحركها الغرض السياسي والوجهة الإيديولوجية والفكر الغائي؟ 

ربما يكمن جزء مُشبِع من إجابة هذا السؤال الشائك في كتابٍ عظيم، ومرجعٍ استثنائي، استطاع أن يفتح عيون العالم الغربي مبكراً على التاريخ الحقيقي للحضارة العربية وأن يُثبت أن "التمدن الإسلامي" غائرٌ في تاريخ الإنسانية، من قبل أن تخرج أوروبا نفسها من الظلمات إلى النور. هذا الكتاب هو "مختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامي"، للمؤرخ والمفكر الهندي العظيم "السيد أمير علي" (1849_1928م)، والذي تطرحه "الدار المصرية اللبنانية" بالقاهرة في طبعةٍ محرَّرة ومدققة، وبترجمةٍ كاملة أمينة، ضمن سلسلة "الكلاسيكيات"، مساهمةً منها في دحض الحجة بحجج، وتقديم الصورة الصحيحة للعرب والمسلمين عبر منتجٍ فكري استثنائي تدعمه الوثائق والمعلومات والحقائق، ولا يصدر عن هوى أو يؤسس نفسه دون هويّة. 

"رأيتُ أن السبيل الوحيد لِلفت أنظار الغربيين، واكتساب تعاطفهم، واستثارة اهتمامهم، هو أن أتقدم بهذا الكتاب الذي لن يكون فقط مجرد سجل لحروب المسلمين وفتوحاتهم، أو وصف لنجاحاتهم العسكرية، بل يتناول أيضاً تاريخ العرب الاجتماعي، وتطورهم الاقتصادي. ولعلي بذلك أكون قد وُفقت إلى إزالة التعصب الأعمى، والمشاعر السلبية التي أحدثتها الحروب ووجوه الصراع عبر القرون الماضية".

هكذا يقر المؤلف، محدداً منهجه ووجهته وغايته، وهو ما نجح فيه بالغاً الحد الأقصى من إصابة الهدف. 

السِفر، الضخم والشاسع، صدرت طبعته الأولى بالانجليزية في العام 1899، ليصبح من يومها مرجعاً عُمدة للقراء والباحثين والمستشرقين الغربيين على حد سواء، وتجئ طبعة الدار المصرية اللبنانية لتقدمه بما يليق به لقارئ العربية، بجهدٍ ترجمي وتحريري ضخم، اضطلع به فريق من كبار المثقفين والأكاديميين، ضمَّ ثلاثة من كبار المعنيين والمتخصصين، حيث توّلى الترجمة رياض رفعت، وحرره د. حسام أحمد عبد الظاهر، ليشفعه بدراسةٍ ضافية تُمثل في حد ذاتها متناً موازياً، شارحاً وكاشفاً لكل ما يخص الكتاب ومرجعياته وسياقاته، بينما اضطلع أ. د. أيمن فؤاد سيد بمراجعة الكتاب والإشراف عليه، لتكون المحصلة جهداً فكرياً تنويرياً يغرس صحيح التاريخ في تربة الثقافة المعاصرة.

 بما يكون الوصف الدقيق لكتاب "مختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامي"، أنه موسوعةٌ حقيقية، مفهرسةٌ ومبوَّبة حضرياً  وتاريخياً وفق منهجيةٍ بحثية علمية لا تكتفي حتى بالتراتب الزمني، بل تؤسس خريطتها على تعميق الأسئلة الفكرية للحضارة وتطوراتها وطفراتها الثقافية بين حقبة وأخرى وجغرافيا وسواها، بحيث تُمكِّن قارئها من إلمامٍ ناصعٍ وشامل بالتاريخين العربي والإسلامي من قبل الرسالة المحمدية وحتى القرن السابع عشر الميلادي.

اثنان وثلاثون فصلاً تنتظم الكتاب، يمكن تقسيمها إلى سبعة أقسام كبرى تغطي التاريخ العربي ومن بعده الإسلامي في حلقاتهما المفصلية الكبرى: تاريخ العرب قبل الإسلام، عصر الرسول "صلى الله عليه وسلم"، عصر الخلفاء الراشدين، العصر الأموي، العصر العباسي، تاريخ الأندلس، فضلاً عن تاريخ العرب في إفريقيا، عبر دوائره الثلاث الرئيسية: الأدارسة، الأغالية، والفاطميون.

وربما يتوفّر هذا الكتاب على ميزة لا توفرها أغلب الكتب التاريخية التي تعمل على الحيز ذاته، إذ تقف عند توثيق التاريخي مكتفية بالرصد والتسجيل، لكن "مختصر تاريخ العرب" يقدم فضلاً عن ذلك، تحليلاً سياسياً عميقاً وكشفاً حضرياً  وثقافياً يُقلّب في تربة الثقافة ويطرح أسئلتها من كافة جوانبها وصولاً للأبعاد الاجتماعية بل والطبقية، ما يجعل من قراءته استكشافاً حقيقياً للتاريخ في شموليته وتقليبًا لأسئلته داخل السياقات المختلفة، وليس محض وقوفٍ على أعتابه.

    أضف تعليق

    الأكاديمية العسكرية ومنظومة بناء الإنسان

    #
    مقال رئيس التحرير
    محــــــــمد أمين

    الاكثر قراءة

    تسوق مع جوميا
    اعلان