حين نحب كتبا بعينها، نحب من أجلها دور النشر التى نشرتها والمطابع التى نضدتها، والمعامل التى جلدتها!
وفى حياتى، وفى حياة كل قارئ مواظب على القراءة، كتب أحببناها، وما إن نذكرها حتى نستعيد هيئة الغلاف، واسم الدار، وشعارها، وشكل الخط ونوعه، وتهبنا صلتنا الدائمة بتلك الكتب خبرة، فإذا بنا، بعد حينٍ، نحلم بأن ننشر كتابا فى هذه الدار أو تلك، ونحيى، إذ نفعل ذلك، ذكريات حبيبة كامنة فى النفس، تجاه الكتب والثقافة والمعرفة، وربما تجاه زمن من العمر مضى وولى.
أحببت فى حياتى دور نشر عدة، عرفت دار العلم للملايين حين قرأت كتابا لمؤلفين أحبهم، وارتبطت أسماء عمر فروخ، وخير الدين الزركلى، ومنير البعلبكى، وصبحى الصالح، وبكرى شيخ أمين بتلك الدار العريقة، وأذكر أنه كان يلفت نظرى الخط الذى خطت به كلمات العنوان واسم المؤلف، وانطبع فى عقلى هيئة الشعار، وشخصية الغلاف. وعرفت من الكتب التى نشرتها دور نشر لبنانية عريقة أسماء المحلات التى تقع فيها المطابع، ومعامل التجليد؛ عرفت، منذ الشباب الباكر، اسم حارة "حريك"، وأدركت أنها حارة المطابع فى بيروت، وغار فى ذاكرتى اسم أشهر مجلد فى العالم العربى، وعرفت، قريبا، أنه أشهر مجلد فى العالم، أعنى "فؤاد بعينو"، وحين ألفيت اسمه وشعاره ممهورين على غير كتاب من الكتب المجلدة تجليدا فاخرا. وإلى يومى هذا لا أزال أحمل فى أعماقى حنينا رومنطيقيا ساذجا تجاه دار العلم للملايين، ودار صادر، ودار الثقافة، ودار الغرب الإسلامى، فى بيروت، ومكتبة الخانجى، ودار المعارف، ومطبعة المدنى، ومكتبة مصطفى البابى الحلبى ومطبعتها فى القاهرة. وحين رأيت فى معرض جدة الدولى للكتاب ١٤٣٧ هـ = ٢٠١٦م ديوان ابن شهيد الأندلسى سارعت إلى شرائه، وحملنى على ذلك أن الديوان رسالة علمية أشرف عليها المستشرق الفرنسى الكبير يجيس بلاشير، وأن من نشرته دار لبنانية طالما اقترن اسمها فى ذاكرتى بزمن أدبى رائع. تلكم الدار هى دار المكشوف.
غير أننى لم أتعلق بدار نشر عربية، كما تعلقت بدار المعارف بالقاهرة، وربما أعدت ذلك إلى أننى حين اختلفت إلى الجامعة، كانت جمهرة من الكتب التى ندرسها من إصدارات تلك الدار العريقة؛ فأنا لا أكاد أذكر اسم العلامة الكبير الدكتور شوقى ضيف إلا علق بذهنى اسم دار المعارف، وهيئة كتبها، ومقاسها، وشكل الخط، وشعار الدار. وعلى كثرة كتب هذه الدار وشيوعها فى مكتباتنا، لا يزال يشدنى إليها حنين علمى، مبعثة عراقة هذه الدار، واتصالها بإحياء التراث العربى الإسلامى، وبعث الأدب العربى القديم، وأسماء جمهرة كبيرة من رواد النهضة العربية فى مصر؛ فأهم دوواوين الشعر العربى القديم، وأهم متون النقد والفلسفة والتصوف أصدرته دار المعارف، وأجمل ما كتبه طه حسين، ومحمد حسين هيكل، وحسين فوزى، ومصطفى محمود، وعائشة عبد الرحمن = هى التى نشرته، وحين أقصد القاهرة، أختلف إلى مكتبة دار المعارف فى قلب البلد، وأمكث فيها ساعة أو تزيد، أتأمل فى خزائنها أسماء مؤلفين طالما أنفقت الساعات والأيام فى صحبتهم: هنا مؤلفات طه حسين، وإلى جوارها مؤلفات محمد حسين هيكل وشوقى ضيف، وفى تلك الناحية تقف سلسلة "ذخائر العرب" وكأنها تلخص تراثا عظيما أحييته، وأجد السعادة كل السعادة حين أقف إزاء مؤلفات كلما الكيلانى وعادل الغضبان فى أدب الأطفال، وأغبط ذلك الجيل من القراء الذين نشئوا على حب البيان العربى، لأنهم قرأوا لهذين الأديبين الكبيرين، وترقبوا مطلع كل شهر سلاسل دار المعارف: "اقرأ"، و"نوابغ الفكر العربى"، و"كتابك"، فتتصل أسبابهم بمنابع ثرة للثقافة العربية والأجنبية، فتقوى ملكاتهم، وتمتن لغتهم، ويرقى تفكيرهم، ويستنير أفقهم.
حين احتفلت مصر والعالم العربى معها بمرور مئة وخمسة وعشرين عاما على إنشاء دار المعارف = بعث هذا الاحتفال فى وجدانى ذكرى حلوة عن أعرق ما اكتسبته فى نشأتى العلمية، وأحسست قدرا عظيما من الوفاء نحو هذه الدار، وساتعدت فصولا من حياتى، أجدها، حين أستعيدها، تدور فى فلك دار المعارف وسلاسلها الذهبية، وأسماء النخبة المصطفاة من مؤلفيها.
كاتب المقال مفكر وكاتب وأديب سعودى
- حاصل علي بكالوريوس اللغة العربية وآدابها في كلية الآداب بجامعة الملك عبد العزيز وماجستير في النقج الأدبى الحديث، جامعة الملك سعود بالرياض، عام 1424هـ=2004م.
- عمل في وزارة الثقافة والإعلام – الشؤون الثقافية بمحافظة جدة.
- وشغل منصب رئيس تحرير مجلة الإعلام والاتصال (1427-1430هـ). والمدير العام ورئيس التحرير لجريدة أم القرى (1427-1434هـ). والمدير العام لإدارة الأندية الأدبية (1434هـ). و رئيس تحرير مجلة الحج والعمرة التي تصدرها وزارة الحج (1423هـ-1426هـ).
من مؤلفاته:
- الجوائز الأدبية: الحدود والأقنعة، 1999م.
- إطلالة على الثقافة في المملكة العربية السعوديَّة، كتيب المجلة العربية،2006م.
- طه حسين والمثقفون السعوديون، 2009م.
- ذاكرة الرواق وحلم المطبعة، أصول الثقافة الحديثة في مكة المكرمة، 2009م.
- مضايق الشعر، حمزة شحاته والنظرية الشعرية، 2012م.
- خواطر مصرحة، محمد حسن عواد، تحريرا وتقديما، 2012م.
- الأدب الفني، محمد حسن كتبي، تحريرا وتقديما، 2013م.
- العيش في الكتابة، دراسة في نقد عبد الله عبد الجبار، 2014م.
- ضحك كالبكا، الشعر الحلمنتيشي في مباهِجه وأحزانه، 2015م.
- ما قبل الأدب الحديث، النخبة العالمة في حائل، 2016م.
- الحداثة الغائبة، نشأة النقد الألسني في المملكة العربية السعودية، 1438هـ=2017م.
- تهامة وطني، محمد سعيد طيب والثقافة، 1438هـ=2017م..
- في حب غازي القصيبي.