«أوكوس» .. هل تشعل أمريكا الصراع ؟!

أوكوس .. هل تشعل أمريكا الصراع ؟

الرأى18-9-2021 | 13:08

جمال رائف

تغيرات متسارعة تقوم بها الولايات المتحدة الامريكية فيما يتعلق بإعادة التموضع أمنياً وعسكريا بما يخدم مصالح أمنها القومي، فبعدما كانت تري ان وجودها في الشرق الأوسط هو حائط الصد الأول المحصن لها من الهجمات الإرهابية والمهددات الأمنية، نقلت هذا الاهتمام الي مناطق اخري تتمثل في المحيطين الهندي والهادي، لهذا انسحبت القوات الأمريكية من أفغانستان وستنسحب من العراق وتخفف قوتها تدريجا بنطاق الشرق الأوسط.

وكيفما كان للتواجد الامريكي بمنطقة الشرق الاوسط تحالفاته التي اسست لها الولايات المتحدة، فبالتأكيد يأتي الاتفاق الامني " أوكوس " الذي وقعته امريكا وبريطانيا وأستراليا مؤخرا ليشكل ترويكا أنجلو سكسونية تواجه طموحات الصين تحديدا في هذا النطاق والتي تعتبرها الولايات المتحدة الامريكية المهدد الأكبر لنفوذها خاصة بمنطقة جنوب الشرق الاقصي، التحالف الوليد لم يذكر في بيانه شيء عن بكين، ولكن إعادة إطلاق الحوار الامني الرباعي المعروف باسم "كواد" والذي يضم امريكا وأستراليا واليابان والهند، بالتزامن مع الخطوة الامريكية المتعلقة بتحالف " أوكوس " تبرهن علي ان خطوات بايدن متصلة بهذا الشأن، خاصة ان التحرك الدبلوماسي الامريكي ايضا يخدم علي ذات الهدف بعد ان توالت الزيارات لمسئولين أمريكان الي اليابان والهند وفيتنام وسنغافورة لتعزيز العلاقات ما بين واشنطن وشركائها في هذا النطاق الجغرافي ،في نفس الوقت فشلت المشاورات الأمريكية الصينية علي مستوي وزراء الخارجية في الوصول الي مخرجات إيجابية، حتي الاتصال الأول بين الرئيس الامريكي والرئيس الصيني لم يخرج بجديد.

بكين تترقب وتستشعر محاصرة الولايات المتحدة الامريكية لها جغرافيا سواءعبر الهند واليابان او عبر بناء تحالفات جديدة وتعزيز تحالفات قديمة للانتشار والسيطرة علي المحيطين الهندي والهادي، الصين ليست هي الاخري بالغريم الهين وقد اعتبرت تلك الخطوات عودة لزمن الحرب الباردة وعبرت عن مخاوفها من التأثيرات السلبية علي أمن المحيطين الهندي والهادي، بكين ايضا ترتب خطواتها المستقبلية عبر تعزيز علاقتها مع روسيا التي يحتدم الخلاف بينها وبين الولايات المتحدة الامريكية رغم محاولة قمة جينيف لتقريب وجهات النظر بين الرئيس الامريكي بايدن والروسي بوتين، الوجه الآخر للصراع السياسي والعسكري يقابله مصالح اقتصادية هي الأكبر بين الولايات المتحدة الامريكية والصين ما يعيق فكرة الصدام التقليدي بين الطرفين لهذا تحدث الجانب الصيني عن حرب باردة، ولكن هذا لا يمنع اندلاع المزيد من التوترات التي ربما تنعكس علي الأوضاع الأمنية بالمحيطين الهندي والهادي او اشتداد الحروب السيبرانية.

الخطوات الامريكية لم تزعج فقط سكان الشرق الأقصي ولكنها ايضا أمتدت لشركائها الأوروبين، خاصة بعد ان ساهم ولادة تحالف " أوكوس " في اللغاء أستراليا لصفقة غواصات فرنسية نووية كانت تقدر ب31 مليار يورو بعد ان استبدلتها بصفقة أمريكية، الصدمة الفرنسية من التصرف الامريكي الذي استبعدها من حسابته وهو يدير مصالح المستقبلية دفعت باريس لاستدعاء سفراءها من امريكا وأستراليا، ربما فرنسا لا ترها خسارة اقتصادية فحسب، بل أنها ثاني صفعة أمريكية للدول الاوروبية بعد صفعة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الخطوة التي دعمتها واشنطن بقوة، فرغم التقارب الامريكي الأوروبي الحاصل بعد وصول بايدن للحكم الا ان التحركات علي الأرض هي استكمال للسياسية الامريكية التي انتهجها ترامب تجاه دول الاتحاد الأوروبي، فقط بايد اكثر هدوء في تطبيق تلك السياسيات الهادفة لاضعاف المظلة الأوروبية في المقابل يقوم ببناء تحالف جديد سيضم كندا ايضا بجانب استراليا وبريطانيا ليكون بديلا للندن وواشنطن عن الاتحاد الأوروبي.

صراع النفوذ بين القوي الكبري مشتد ويدفع ثمن تبعاته دائما الدول الصاعدة والنامية ولهذا عليها الا تنخرط في هذا الصراع، الذي سيبقي بعيدا عن العواصم الكبري ،بل من الممكن ان يحرق الدول الاخري، تماما مثلما حدث بالشرق الأوسط.

أضف تعليق