رحيل مواطن عظيم

سعيد عبده

الرأى24-9-2021 | 14:07

سعيد عبده

رحم الله رجال مصر الشرفاء العظماء الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وأخلصوا فى عملهم وساهموا فى بناء تاريخ وطن عظيم نعتز جميعا بالانتماء إليه وإلى أرضه.

هم رجال اختصهم الله بقضاء حوائج الناس وليس كما يتصور البعض.. فأهم حوائج الناس الأمن والأمان والاستقرار وأن تنعم فى كل لحظة بهذا الشعور بل وتعيشه، تلك هي أهم المسائل التى يبنى عليها ما بعدها فهي الأساس.

لقد رحل عنا رجل عظيم بدرجة مواطن عظيم، المواطن النموذج فى السلوك الطبيعي ومراحله بدون تصنع لأنه ولد فى أسرة تقطن جنوب البلاد عاشت وعرفت وعانت وربت ابنا حرص على الانخراط فى العسكرية منذ بداياته.. ولم يكن تخرجه من القوات المسلحة مجرد رقم.. بل مرت ستة شهور فقط وقامت حرب ستة وخمسين «العدوان الثلاثي» على مصر وشارك فيها.. ولم يكن أمامه غير ذلك وشارك بعدها فى كل الأحداث والحروب التي خاضتها مصر، فارس ليس مندفعا، هادئ الطباع، يعي مهمته وطريقه وما حوله من تحديات جسام فرضتها الظروف التي مر بها.

وقد تحدث الكثير وكتبوا عن المشير طنطاوي ورحلته العسكرية وكيف مر بكل مرحلة من مراحل حياته العسكرية وماذا قدم.. والحقيقة هذا ما تناولته وتتناوله وسائل الإعلام بمختلف أنواعها وسبلها لذكر الكثير من حياة ذاخرة ومليئة بالأحداث فى حقبة من أهم فترات تاريخ مصر الحديث.

أتناول الأمر من مراحل عشتها أنا وملايين المصريين فى أخطر مرحلة مررنا بها، كانت مفترق طرق للمنطقة ولمصر بصفة خاصة، فقد كانت هي الجائزة الكبرى للمخطط الذي سمي بالشرق الأوسط الجديد أو الربيع العربي.

لنا فى جيراننا عبرة ونموذج، فقد كانت أولى الخطوات التى تتخذ فى دول الربيع العربى بعد الفوضى والمظاهرات الموجهة أو الطبيعية والتى وجهت بعد مرحلة فوضى وأن يكون دائما الهدف هو القوة العسكرية أو الجيش الوطني فى هذه الدول وأولها العراق.

ودائمًا تبدأ الأمور بالحظر الجوي وتدمير الوحدات العسكرية وتفكيك وتسريح الجيش لتحل مكانه ميليشيات قبلية أو مرتزقة متناحرة كل فى طريق.

وهذه كانت أهم خطوة فى هدم وتفكيك الجيش العراقي وتدمير معداته لتكوين دولة ليس لها وجود ولقمة سائغة لمن يرغب من أطماع دولية وصراعات قبلية تصل فى النهاية إلى حروب طائفية ويظهر السنة والشيعة ومن ورائهم ويمتد إلى طوائف وقبائل الكل خسران وهذا ما وضح بعد ذلك.. انهار العراق.

وانقسم الجيش السورى ما بين مؤيد ومعارض وجيوب فى كل منطقة من البلاد لتدخل داعش وتكون دولتها المزعومة فى جزء كبير من العراق وسوريا.

وراح الأكراد المتواجدون فى إيران وسوريا والعراق وغيرها من الدول الموجودة يبحثون عن حلول لمشاكلهم، ثم جاء دور اليمن وليبيا وفعلا انهارت الجيوش الوطنية وتحققت فعلا مراحل هدم هذه الدول واستمر المخطط محاولا الوصول إلى الجائزة الكبرى وهي سقوط الجيش المصرى وهذا ما قلب الموازين.

التركيبة غير ومختلفة.. الجيش المصرى وطنى منذ نشأته من كل أبناء مصر يعرف طريقة العسكرية المصرية وتاريخها.. ومن نعم ربنا علينا أن يهبنا مثل أولئك الرجال فى فترات حالكة للتأكيد على الهوية العسكرية والانتماء وأن جيشنا، جيش مصر بالتصرف والسلوك.

ولنا تجربة مهمة

عندما اشتعلت الأحداث فى 2011 كان أهم الأهداف أن يصل الجيش إلى صدام مع الشعب بأطيافه ولم يعلموا أن الجيش، لا يمكن أن يواجه أبناءه وإخوانه وآباءه من مكونات الوطن.

وأمام ماسبيرو، تعدى المتظاهرون على المدرعات واعتدوا على الجنود بشكل سافر لم يسبق له مثيل وفى محمد محمود وميدان التحرير ومناطق كثيرة.. ولكن كانت تعليمات طنطاوى الرجل الهادئ بضبط النفس بأقصى درجاته.. وأذكر حديث أحد أكبر العسكريين عن ما دار لأحد الضباط الأمريكيين.. ماذا تفعل فى مثل هذه الاعتداءات فكان الرد الفصل فورًا للمخالف.. «هذه حقوق الإنسان لديهم».

ونحن لنا نموذج آخر.. كنت أقطن فى مساكن الشرطة بمدينة نصر وأرى الفوضى والسرقة والحكايات التى لا يتسع المكان لذكرها من خطف وسرقة.. صعوبة المرور وانهيار الأقسام وأصبح الجيش فقط فى المواجهة.

كنا نعمل ورديات من السكان منهم المواطن العادى واللواء والعميد وغيرها من الرتب لنحرس المكان ليلا من الدخلاء وكل معه ما تيسر من وسائل الدفاع من قطع سلاح تخص عملهم.. وأنا لم أجد معي وابني سوى (عصا المكنسة) نعم وكنت فريدا فى ذلك ونسهر ونشجع بعض.

مرت لحظات علي فى الأحداث وأنا أبكى أحيانًا كثيرة من المصير المجهول لأولادي وأحفادي.. وإلى أين وماذا عن بكره؟.. لا نعلم!

عناية الله

أن يرزق مصر رجلا بهدوء طنطاوي وحكمته فهي رسالة وإنقاذ لمصر وحفظ لها من الله وحده قبل كل شىء فإذا انهارت مصر انهار العالم العربى من حولنا.

لقد قال أحد الزعماء العرب من القلائل الذين لهم رؤية فى هذه الأحداث أن تحتل أو تسقط أى دولة فى وجود مصر سهل أن نعيدها.. ولكن إن سقطت مصر لن تقوم لنا قائمة.

واستطاع الجيش المصرى أن يحفظ مصر وتعرض الراحل المشير طنطاوى ومعه المجلس العسكرى خلالها لأعنف أنواع الضغوط من القوى السياسية والإخوان الذين ركبوا الموجة ومن قوى خارجية كثيرة.

وقد ظن البعض أن المسألة أيام وينتهي كل شىء ويسلم الجيش وينفرط عقده.. ولكن خيب الله ظنهم وحفظ مصر وجيشها بل وسلم المجلس العسكري أمانته بعد أن حافظ عليها وعلى البلد بإباء وشمم فى رسالة للعالم كله عن معنى العسكرية المصرية..

هذا هو المواطن المصري أو القائد المصري ابن مصر الحريص عليها دون صخب أو مزايدة وبهدوء إلى أن وصلت إلى بر الأمان.

هذه السطور لاتكفى للحديث عن قامة وقيمة عسكرية وإنسانية ومصرية ولكنها من القلب عن رجل عاش أخطر الأحداث.

وتستمر مدرسة القوات المسلحة مدرسة الحياة والبناء والاستقرار فى سيرتها بابن بار ونموذج فريد من القادة رئيسنا عبد الفتاح السيسي.. فالمسيرة مستمرة ولن تتوقف بإذن الله.

رحم الله المشير طنطاوي وأسكنه فسيح جناته وعوضه فى الآخرة عن ما عاناه فى الدنيا وما قدمه لوطنه.

أضف تعليق