كتب: عاطف عبد الغنى
فى 7 سبتمبر 2005 شهدت مصر أول انتخابات تعددية على مقعد الرئاسة فى تاريخها الحديث، ولم يكن قبل هذا التاريخ تجرى انتخابات ولكن استفتاءات على منصب الرئيس، مثلما كان يحدث فى عهدى جمال عبدالناصر والسادات (لا نحسب محمد نجيب ولا الرؤساء المؤقتين والدستوريين) ، وكان السبق لمبارك الرئيس الذى جرت فى عهده لأول مرة.
لقد تغيرت الظروف والأحوال بضغط من الخارج، فكان قد أمر الرئيس مبارك بتغيير المادة 76 من الدستور، لتسمح بالترشح إلى جوار مبارك آخرين، ومهد لذلك كتبة المريكان ورجالها فى مصر وأبرزهم د.سعدالدين غبراهيم، ونوال السعداوى، وغيرهما.
وترشح بالفعل كل من د.أيمن نور (تودنا أن نسبق اسمه بحرف الدال لا أكثر) رئيس حزب الغد فى ذلك الوقت، و د. نعمان جمعة رئيس حزب الوفد إلى جانب 7 آخرين ليكتمل العدد 10 مرشحين .
وقد ذكرنا نور وجمعة على اعتبار أنهما من ضمن باقى المرشحين كان لهما ثقل نسبى إلى جوار مبارك، أما الباقون فكانوا مجرد كومبارس ولم يحقق أعلاهم عند إحصاء الأصوات النهائية للانتخابات نصف بالمائة، كذلك مثلت الأصوات التى حصل عليها نعمان جمعة الذى كان ينظر إليه على أنه رئيس أكبر حزب معارض، صدمة للجماهير بسبب عددها الضئيل.
ونتوقف قليلاً عند نور هذا الذى كان يمثل للمصريين فى ذلك التاريخ، وخاصة من الشباب، أيقونة يمكن أن يساهم فى تغيير الأوضاع القائمة، فيما رأى فيه الإخوان ضربة مؤثرة بـ (الفأس) فى شجرة النظام المباركى، لذلك لا بد من دعمها والوقوف خلفها، من فيها سعى لنزع السلطة عن مبارك، ثم يكن ما يكون، ليس مهماً لكن المهم أن المصريين فوجئوا ذات صباح أن نور يزور مقر الإرشاد بالمنيل ( قبل انتقاله للمقطم ) ويخلع نعله على باب شقة المقر شأنه شأن الإخوان ويصلى الظهر معهم وينال بركة المرشد مهدى عاكف ورجال المكتب، وباقى القيادات فى الداخل والخارج، ليأمروا الأتباع بمنحة أصواتهم .
ومن جانبه مارس البهلوان نور ألاعيبه “المكملة” – التى تكشفت فيما بعد – ومنها تمثيلية إطلاق النار عليه من مجهول فى جولة انتخابية، ونجاته بسبب كتاب كان يتحفظ به فى جيب جاكت البدلة، ولولاه ما نجا من الموت ، إلى آخر هذه البروبجيدا التى منحته فى النهاية عددا من الأصوات (حوالى 7% من الناخبين) وهو عدد لم يكن يحلم به هو ولا من دفعوه وساندوه للترشح أمام مبارك فى بداية الدفع بشدة من الغرب فى لعبة التغيير التى هندسها الغرب وجعل القاهرة رهانها الأول الذى يبدأ التغيير من عندها كما قالت مجلة “نيوزويك” الأمريكية على غلافها الذى حمل صورة جمال مبارك قبل الثورة بحوالى عامين تقريبا.
وبعد مرور 4 سنوات كانت مياه كثيرة قد جرت فى النهر، وتكشف وجه نور للرأى العام بممارساته البهلوانية والفضائحية وصار وجها غير مقنع لواشنطن ولندن وغيرها من العواصم التى كانت ترتب للتغيير الكبير فى المنطقة وخاصة مصر، لذلك كان لا بد من البحث عن بديل وكان هذا البديل، هذه المرة هو محمد مصطفى البرادعى الذى تم تجهيزه فى معامل الغرب، بمنحه جائزة نوبل للسلام، (شىء مبهر للمصريين) بعد إبعاده عن منصبه فى الوكالة الدولية للطاقة الذرية و “مجموعة الأزمات” الدولية التى يترأسها اليهودى الصهيونى جورج سورس، وتم الدفع به كقاطرة لقوى التغيير (النيو الليبرالية) والتى انضم إليها مرحليل لخلع مبارك عديد من القوى مثل الاشتراكيين الثوريين ونشطاء 6 أبريل وفوقهم الإخوان سادة العمل السرى والحركى، أصحاب خبرات التنظيم والحشد.. إلخ.
وجاء البرادعى إلى مصر فى زفة تشبه تلك التى نعيش فيها خلال الساعات الماضية وحتى كتابة هذه السطور مساء الحد 3/12/2017.
وعاش البرادعى فرس الرهان يمارس التخطيط للانقلاب القادم فى مصر تحت حراسة النظام المرعوب من الغرب، لأجل تمرير التوريث لمبارك الابن.
وذهب برجليه إلى الإخوان، كانت هذه هى التعليمات، قام البرادعى رئيس ومؤسس الحركة الوطنية للتغيير بزيارة مقر الكتلة البرلمانية لجماعة الإخوان المسلمين بالمنيل، وخلع حذاءه على أعتاب شقة المرشد، قبل أن يلتقيه وينال البركة، لكن الأخبار التى تم تصديرها لم تذكر لقاءه بالمرشد وأشارت إلى أنه التقى الدكتور محمد سعد الكتاتنى عضو مكتب الإرشاد ورئيس الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين فى مجلس الشعب وأكدت أنه الوحيد من قيادات الجماعة الذى إلتقى البرادعى.
ومن جانبه أعلن الكتاتنى أن الجماعة ستقود تحركات مكثفة لجمع التوقيعات من جميع فئات الشعب المصرى لتأييد المطالب التى أعلنتها الجمعية الوطنية للتغيير وعلى رأسها الدكتور محمد البرادعى، والتى تهدف للإصلاح السياسى والتغيير السلمى فى مصر, (كما قيل وقتها) وقال الكتاتنى فى المؤتمر الصحفى الذى عقده بعد انتهاء الاجتماع الذى عقده مع محمد البرادعى فى مقر الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين أن جمع التوقيعات هو الخطوة الأولى نحو الإصلاح والتغيير, وأن الإخوان يتفقون مع البرادعى فى المطالب السبعة التى تم إعلانها , مؤكدا أن الإخوان شركاء للبرادعى فى الإصلاح , وأعلن أن الجماعة لم يكن لديها أية مطالب من البرادعى ولم يكن لديها أية علامات استفهام ترغب فى الحصول على إجابات عليها منه.
وعلى هامش اللقاء قال البرادعى أيضا إنه ذهب للقاء الإخوان لأنهم يمثلون أكبر حزب شرعى فى مصر حيث يملكون أكبر عدد من المقاعد للمعارضة فى البرلمان ووصفهم بأنهم يمثلون المعارضة القوية والحقيقية فى مجلس الشعب وأنه من حقهم تشكيل حزب سياسى, وأكد البرادعى أن الإخوان هم جزء من حركة التغيير فى مصر.
وأكد البرادعى أنه لن يترشح للرئاسة إذ لم تكن هناك إرادة شعبية قوية تدفعه للترشح, مشيرا إلى أنه سيبذل كل ما أوتى من قوة من أجل التغيير الذى ينتظره الشعب مشيرا إلى أن الجولات الخارجية التى يقوم بها هى لخدمة حركة التغيير فى الداخل, (لم يقل كيف لكن عرف المصريون – فيما بعد – كيف كان ينسق مع الخارج(
والطريف أن البرادعى بعد كل هذا، نفى إبرامه أية صفقات أو تفاهمات مع الإخوان.
وأَضاف ” الإخوان لهم آراؤهم ووجهة نظرهم التى تختلف مع وجهة نظرى فى العديد من القضايا لكن الجميع اتفق على النقاط السبعة الخاصة بالإصلاح السياسى والتغيير, وأكد أن التوقيعات ستكون البداية للتغيير وتعديل الدستور حتى يتمكن الإفراد من الترشح للرئاسة, بالإضافة إلى عودة الإشراف القضائى ووجود إشراف دولى على الانتخابات.
وقبل هذه التصريحات بأسبوع على الأقل كان الإخوان قد بدأوا بالفعل فى جمع التوقيعات للبرادعى.
وقامت الثورة، وسقط البرادعى فى امتحانها الصعب، لأنه لم يستطع خداع المصريين وداس الإخوان على جثته فى الزحام وصعدوا للحكم.
ودارت الأيام دورتها، ووقف البرادعى ضد الإخوان الذين سيطروا على الحكم، وسعوا للسيطرة كل شىء فى مصر، لكن الزمن لم يمهلهم، وسقطوا بسرعة صعودهم، وكان البرادعى واحدا من الوجوه التى ظهرت فى 3 يونيو يمثل تيارا مدنيا ساهم فى إسقاط الإخوان، وانتظر الثمن، لكن لم يكون لدى من يحكم فاتورة ليسددها، فعاد البرادعى الحربائى يظهر تعاطفه مع الإخوان، تعاطفا غلفه بغلاف الإنسانية العولمية الحساسة، وانضم للمغردين داخل سرب الموتورين الذين لم يقبضوا ثمن وطنيتهم المزعومة.
والآن نصل إلى مشهد جديد بطله وجه قديم.
الوجه القديم هو الفريق أحمد شفيق الذى يكرر نفس السيناريو ومن حوله بعض الداعمين من بقايا الثورة أو غثائها الباحثين عن دور إلى جوار السلطة يعوضهم عن الثمن الذي لم يقبضوه، كما تصوروا أو خططوا.. وأبرزهم حازم عبدالعظيم، فيما سيلعب حمدين صباحى وخالد على لحساب نفسيهما.
أما معسكر الإخوان فى الشتات التركى واللندنى، فقد انقسم على نفسه، فى حالة من الهوس، ما بين دعم شفيق أو تسفيهه وتسفيه أحلامه فى السلطة، حيث تشير حساباتهم إلى ضآلة فرصته إذا ترشح وطرح اسمه على الناخبين المصريين بتاريخه الفلولى الذى يعيدنا للوراء 7 سنوات على الأقل، إلى المربع المباركى.