الديمقراطية كما نراها

الديمقراطية كما نراهاعصام عياد

الرأى29-9-2022 | 13:26

عصام عياد

بالأمس القريب ، احتفل العالم ب يوم الديمقراطية العالمي ، والذي قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة ، أن يكون يوم 15 من سبتمبر من كل عام ، هو اليوم العالمي للديمقراطية ، ودعت جميع الدول الأعضاء ، والمنظمات للاحتفال بهذا اليوم ، بشكل يساهم في رفع الوعي العام ، لتعزيز مبادئ الديمقراطية والتمسك بها .

ولنا في هذه الذكري مع الديمقراطية خمس اشكاليات
أولهما : مفهومها ( مفهوم الديمقراطية ) ونقصد مفهومها لدى الغالبية في هذا العصر ، فغالب المتلفظين بها ومستخدمي لفظها في حديثهم ، يقصدون بها حرية الرأي وحرية التعبير ، أو بوصف أدق ، حرية الحديث ، أي أن لكل واحد الحق في أن يقول ما يقول ، يتحدث بأي شيء وفي أي شيء ، وهذا مفهوم قاصر وخاطئ ولا يمت لمفهوم الديمقراطية بشيء وذلك لأن الديمقراطية نظام اجتماعي وسياسي ، يستخدم لفض حالة الارتباك في أمر ما ، يشترك فيه مجموعة متساوون في الحقوق والواجبات ، فهي عبارة عن إجراءات إستثنائية ، تتم لمواجهة مواقف طارئة ، دفاعاً عن بقاء المصلحة العامة والأمن الاجتماعي وتحقيق الاستقرار لأي كيان ولم يري أحد نظام أفضل منها لإنهاء حالات الإرباك و أصل كلمة الديمقراطية ، يوناني مكونة من كلمتي Demos وهي تعني “الشعب” ؛ وكلمة Kratos وهي تعني “الحكم والسلطة” ، فيصبح الكلمتين بمعنى “حكم الشعب” أي أن المجموعه المشتركة في أي كيان ( دولة ، شركة ، جميعة ، مؤسسة .. ألخ ) تستخدم هذه الطريقة في الحكم علي الأمور التي يشتركون فيها ، ويتأثرون بنتائجها ، وذلك من أجل تحقيق مصلحة الجميع وهي ما عرفت لدينا بالشورى ، التي أمر بها الشرع في قوله تعالي : " وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ " سورة الشورى: آية 38‏ وقوله تعالي : " وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ " ال عمران : أية 159 وعمل بها النبي صلي الله عليه وسلم ، لترجيع رأي في أي مسألة ، مثل ما حدث عندما سمعوا بخروج المشركين بعد غزوة بدر لمقاتله النبي و أصحابه ، وكان رأي البعض التحصن في المدينة ، وكان رأي البعض الآخر الخروج لمواجهتهم وقتالهم خارج المدينة ، فتم أخذ الرأي ، وكان رأي الأغلبيه الخروج لقتالهم خارج المدينة ، وتم العمل بهذا الرأي ، رغم أن رأي النبي صلي الله عليه وسلم كان غير ذلك ، ولكن تم العمل برأي الأغلبيه لترسيخ هذا المبدأ ، لأنه الطريقة الوحيده للفصل في الأمور المهمة المشتركة.

الاشكاليه الثانية : هي اشكاليه القبول ، أي قبول نتيجة الديمقراطية ، فغالبيه الناس لا يقبلون نتيجة الديمقراطية ، أو الشورى الا اذا جاءت في مصلحتهم أو كانت موافقة لرأيهم ، أما إذا كانت غير ذلك فبئس هي و حدث ولا حرج
الاشكاليه الثالثة : هي اشكاليه التطبيق والممارسة ، فمن الطبيعي عند أخذ قرار ما ، في أي كيان أو مؤسسة ، يتم التصويت عليه ، للوقوف علي رأي الأغلبه وتنفيذه ، فمثلا اذا كان عدد المصوتين علي قرار ما هم عشرة اشخاص ، وكانت النتيجة موافقة ستة منهم ، ورفض أربعه ، فالمفروض أن يخرج الجميع ، أي العشرة من قاعة التصويت معلينين الموافقة علي القرار دون ذكر التفاصيل لكن ما يحدث غالباً ، هو خروج الأربعة الرافضين للقرار ، رغم أنهم أقلية ، ينددون بالقرار ، معلنين للجميع ، وربما علي العامه ، عدم قبولهم له ، وليس هذا وحسب ، وانما يحرضون علي عدم قبوله ، ويخوفون من العمل به .

الاشكاليه الرابعة : وهي اشكاليه المناخ ، أي مناخ تطبيقها ، فقد تأتي أوقات و ظروف لا تصلح فيها ، وقد ظهر ذلك جلياً في حصول المطرب الشعبي سعد الصغير علي أكبر عدد توكيلات ( 55 الف توكيل ) للترشح لرئاسة الجمهورية , وهو ما أسماه الكاتب توفيق الحكيم بعصر الشكوكي ، وذلك بعد أن سألوه عن شكوكو قال إنه لا يعلمه ، ولما بلغ ذلك شكوكو ، طلب في تحدي ، أنه يقف في ميدان عام ومعه توفيق الحكيم ، ليرى من يتجمع الناس حوله أكثر، و رد عليه توفيق الحكيم بأن يأتي براقصة وتقف على الجانب الآخر من شكوكو ويرى من يتجمع الناس حوله أكثر.

لذا يجب العمل علي تهيئة المناخ لتحقيق الديمقراطية و أما الاشكاليه الخامسة : فهي المعوقات والمؤثرات التي تحد ، وربما تمنع تحقيق الديمقراطية كما يجب أن تكون ، وهي في الغالب تكون نتيجة الثقافة والبئية ، ومن أهم تلك المؤثرات والمعوقات، العصبية ومنها :
-القرابة ، عملا بمنطق " أنا و أخويا علي ابن عمي و أنا وابن عمي علي الغريب " ففي غالب الأحوال تكون الناس في جانب أقاربهم ، بغض النظر عن قدرته ورجاحة رأيه
-الجنس : فالرجال يتعصبون للرجل ، والنساء يتعصبون للمرأة ، دون النظر للأصلح أي ً كان جنسه
-الدين : فالمسلم يتعصب للمسلم ، والمسيحي يتعصب للمسيحي ، والبوذي يتعصب للبوذي ... ألخ
- المذاهب : فالسني يتعصب للسني مثله والشيعي يتعصب للشيعي مثله ، دون النظر للأنفع من المتقدمين لأداء المهمة المختار لها
- الأحزاب : حيث كل حزب يدعم مرشحه حتي لو كان أقل كفائه من غيره من المتقدمين من الاحزاب الأخري ، وهذه الطامه الكبري ، لأن الجميع يعلن علي منابره ، أنه يسعي جاهدا لتحقيق المصلحة العامة ، ولا يعنيه ولا يشغله غيرها ، والمصلحة العامة تقتضي اختيار الأفضل أيً كان انتمائه و أيً كان موقعه.

- الصحبة : فالأصحاب لهم القدره علي ترجيح كفة صاحبهم ، دون النظر الي قدرته علي المهمة التي سيتولاها ، وهنا يكون الفوز لمن لديه أصحاب أكثر.

- الفن أو المهنة أو الصنعة : فكل أصحاب مهنه أو حرفة أو حتي هوايه ، يتعصبون لبعضهم البعض.

- العاطفة : فغالباً ما يميل الناس لمن يحبون ، ويتركون من يبغضون حتي و إن كان الأفضل.

- المال : فيلجأ البعض الي شراء الأصوات باستخدام المال بصوره المتعدده ، وهو ما عرف مؤخراً بالمال السياسي، وهذا يؤثر تاثيراً بالغاً وخاصة في المناطق الفقيرة.

- الجهل : فغالبا ما يقدم الناس علي التصويت ، دون أن يعلموا أي شيئ عن الموضوع ، ودون أن تكون لديهم أي فكرة عنه ، فيكون تصويتهم بطريقة عشوائية ، وقد يرجح الأسوء دون قصد.

- المجاملة : فكثيرا ما يختار البعض أمراً ، مجاملةً لفلان الذي يميل لنفس الأمر ، أو الذي يدعو له ، ولأنه لا يفرق معه اختيار أمر معين ، فالأمرين لديه سواء ، وكونه يحظى برضا شخص يكون بالنسبة له أفضل.

- الثقة بالآخرين : فكثيرا ما يرجح البعض أمراً ، لأن فلان الذي يثق فيه اختار نفس الأمر ، أو أن رأيه يميل لنفس الأمر ويرجحه.


- التكليف والتوجيه : فأحياناً يلجأ أصحاب الشركات والمؤسسات ، الي استخدام موظفيهم والعاملين لديهم في ترجيح كفتهم .


لكن من المهم ، بل من الواجب ، أن ينتبه الجميع الي المهمه ، ثم يختار الأنسب للقيام بها دون التأثر بكل ما سبق ، و لا يضع في اعتباره الا المصلحة العامة ، ومن الذي يستطيع تحيققها بالضبط مثلما يحدث في الأمور الشخصية البسيطة ، فلو فسد في بيت أحدنا جهاز ، غسالة مثلاً ، أو ثلاجة ، فدائما نبحث عن أفضل و أكفء الفنيين المتخصصين في صيانة هذا الجهاز ، دون النظر الي درجة القرابة ، أو الصداقة او غير ذلك من المؤثرات ، لأننا لا يهمنا إلا مصلحتنا وتحقيق الهدف علي أكمل وجه وكذلك المصلحة العامة ، بل هي الأولي ، ولا تقل أهميه عن المصلحة الشخصية ، فلنجعل أعيننا دائما و أبدا علي المصلحة.

و أخيراً نؤكد علي أن الديمقراطيه ، وإن لم تتحقق بالشكل الكامل ، فلا غني عنها ، لأنها السبيل الوحيد لإنهاء حالات الإرباك في المواقف الطارئة ، دفاعاً عن المصلحة العامة والأمن الاجتماعي ، وتحقيق الاستقرار لأي كيان وضمان بقائه.

أما عن حرية التعبير فلنا لقاء آخر .

أضف تعليق

الأوراق الملوَّثة في ملف تفكيك الدول «2»

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين