كبسة الوزير

كبسة الوزيرأحمد النومي

الرأى1-11-2022 | 13:58

من يمتلك الصحة يمتلك الأمل، ومن يمتلك الأمل يمتلك كل شىء، ومجتمع لا يملك صحته هو مجتمع هش، والواقع يقول إن قطاع الصحة شهد تدهورًا كبيرًا فى العقود الماضية، فلا توجد ميزانية محترمة للإنفاق على القطاع، ولا مرتبات مجزية توقف مسلسل هجرة الأطباء إلى الخارج، ولا رقابة صارمة على ما يحدث من إهمال وتجاوزات فى حق المرضى.


وجاءت زيارة الدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة مؤخرًا إلى مستشفى بولاق الدكرور، وإحالة مدير المستشفى إلى التحقيق، وتكرار وقائع الإهمال فى منشآت أخرى، لتكشف أن هناك بقع سوداء فى الثوب الأبيض، وتعيد إلى الأذهان مقولة شهيرة عنوانها "الداخل إلى المستشفيات مفقود والخارج مولود".


المشترك فى وقائع الإهمال التي اكتشفها الوزير، هى سلسلة الأخطاء الإدارية والطبية، فالمأساة تبدأ من وجود مدير مستشفى مستهتر بأرواح المرضى، وطبيب جاهل برسالة مهنته السامية، وخالف القسم، وممرض جشع يرفع شعار "أبجنى تجدنى.. ادينى تلاقينى"، وهى لب الأزمة واعتقد أن الوزير لو "خطف رجله" لعدد آخر من المستشفيات سيضطر إلى فتح قوس كبير بعدد المخالفين فى الكثير من المستشفيات.

الصراحة تقتضى القول إن الدولة أولت ملف الصحة اهتماما كبيرا، وتم إعادة تأهيل البنية التحتية الصحية، وإطلاق حزمة من الإصلاحات الصحية، بخلاف مشروع التأمين الصحى الشامل، وانتهاج سياسة المبادرات الصحية مثل مبادرة 100 مليون صحة، وأمراض السمنة والأنيميا والتقزم للطلاب، والكشف عن سرطان الثدى، والقضاء على قوائم الانتظار، بخلاف ارتفاع حجم موازنة الصحة من 73 مليارًا فى عام 2018 إلى 128 مليارا هذا العام.


زيارة الوزير فتحت المجال لعدد من التساؤلات، فترى كم مسئول يحتاج للقيام بجولات مفاجئة ليتابع الواقع؟ وكم مدرسة ومصنعا وطريقا وجامعة وقطارا - وكم وكموكم - يئنوا بالإهمال وفى حاجة إلى زيارة السيد المسئول؟ لماذا هناك حالة عشق مع مكاتبهم الأنيقة؟ وما نوعية المادة اللاصقة على كراسيهم الوثيرة؟ ولماذا هناك حالة من التوتر من نزول الشارع؟ فالكراسي ليست ملك، بل لخدمة العباد والأوطان، والكراسى هى الاسم والمظهر، والإدارة هى التى تجعل الكرسى سلبيًا أو إيجابيًا، اعتقد أنه لا سبيل لضرب الإهمال المعشش فى الكثير من القطاعات، سوى بتكرار الزيارات المفاجئة، ولو قام كل مسئول بجولة أسبوعية سيكتشف حجم زيف التقارير "المزوقة" التى ترفع له والمعنونة بعبارة "كله تمام" ويفاجئ بحجم الأفاقين والمضللين وهؤلاء هم الأخطر على الأوطان والعباد.


زيارة وزير الصحة بقدر ما كانت "كبسة "على المخالفين، كانت أيضا "كبسة" لمسئولى المكاتب، وكشفت أن هناك من تنقصهم حمرة الخجل، وهناك من باعوا وخالفوا وضلوا وأضلوا ولا علاج لهم سوى البتر .

أضف تعليق