تنبع أهمية منطقة القرن الأفريقى من وجهة نظر السياسة الخارجية السعودية من واقع إرتباطها بإهتماماتها الرئيسية (الحد من تنامى النفوذ الإيرانى والإسرائيلى بالمنطقة، تنويع خارطة التحالفات الإقليمية، تحقيق توازن للقوى فى المنطقة، تقليل الإعتماد على الغرب، التعاون فى مجال مكافحة الإرهاب ، تجفيف الدعم العسكرى واللوجستى لجماعة الحوثيين وصالح فى اليمن)، وكذا تأمين الملاحة فى البحر الأحمر وباب المندب وتدعيم عملياتها العسكرية فى اليمن بدليل انشاء قاعدة عسكرية لها فى جيبوتى وفق تصريحات سفيرها فى الرياض لجريدة الحياة، فضلاً عما تحتويه المنطقة من موارد طبيعية وزراعية وحيوانية وأسواق لتصريف المنتجات السعودية، وإرتباطاً بذلك حرصت السعودية على توقيع العديد من إتفاقيات التعاون المشترك مع معظم دول المنطقة فى مجالات متعددة، بإعتبارها تمثل من وجهة نظرها المنطلق الواقعى لتحقيق أهدافها ومصالحها بدول المنطقة.
فى هذا الإطار ترتكز الإستراتيجية السعودية لتحقيق أهدافها على إستخدام الوسائل والأدوات
( الرسمية - غير الرسمية ) فى تنفيذ أنشطتها على كافة الأصعدة ( السياسية - الإقتصادية - العسكرية والأمنية - العقائدية - 000) من خلال الإعتماد على أساليب إقتراب ، تستند فى جوهرها إلى إستغلال حاجة دول القرن الأفريقى لدعم خطط التنمية الإقتصادية بشكل أساسى ، فضلاً عن محاولة الحصول على أكبر قدر من المساعدات التى تتيح لها إمكانية معالجة أوجه القصور التى تشهدها باقى المجالات خاصة الأمنية والعسكرية.
وقد نجحت المملكة فى توظيف كافة أدوات السياسة الخارجية لتحقيق مصالحها الوطنية فى القرن الأفريقى، ومن أهم هذه الأدوات الأتى:
1 - تبادل التمثيل الدبلوماسى والزيارات مع معظم دول المنطقة - ونجاحها فى دفع كل من السودان وجيبوتى إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع العدو الرئيسى للمملكة "إيران"، وكذا تبادل الزيارات بين
المملكة وعدد من دول المنطقة "إستقبال المملكة خلال 2015/2016 لرؤساء إريتريا، وجيبوتى والصومال والسودان، ولرئيس الوزراء الإثيوبى، وكذا زيارة وزير الخارجية السعودى لكل من السودان وكينيا وتنزانيا.
2 - الإستثمار والتبادل والتجارى - تعد السعودية أكبر مستثمر خليجى فى معظم دول المنطقة مثل السودان وإثيوبيا، حيث بلغ عدد المشروعات السعودية فى إثيوبيا على سبيل المثال 294 مشروعا، بقيمة 3 مليار دولار، ومن المنتظر زيادة حجم التبادل التجارى بين السعودية ودول المنطقة مع إتجاه المملكة إلى إقامة خطوط بحرية وبرية مباشرة مع دولها، مثل إقامة خطوط ملاحية بين موانئ جيبوتى وجدة وجازان.
3- المساعدات الإنسانية والتنموية - يعتبر الصندوق السعودى للتنمية بمثابة الجهاز الأساسى المعنى بتقديم المساعدات الإنسانية والتنموية لدول المنطقة، فمن خلاله قدمت المملكة الدعم الغذائى، وللاجئين والنازحين من دول المنطقة خاصة الصومال والسودان.
4- التعاون العسكرى - والذى برز تناميه بصفة خاصة مع جيبوتى حيث أعلن سفير جيبوتى لدى الرياض فى مارس 2016، أنه جرى الترتيب لإنشاء قاعدة عسكرية سعودية فى جيبوتى، وكذا تشكيل لجنة عسكرية مشتركة بين السعودية وجيبوتى، والتى تشكلت بعد إنطلاق عملية عاصفة الحزم، فضلاً عن تقديم المملكة دعماً عسكرياً لجيبوتى، التى حصلت على صفقة من الزوارق الحربية، لإحكام مراقبة السواحل، وكذا السودان، بالإضافة إلى إجراء المناورات المشتركة: ومن أهمها مناورات " رعد الشمال"، التى نظمتها السعودية بمنطقة حفر الباطن، وبمشاركة عشرين دولة، منها من دول القرن الأفريقى السودان، وجيبوتى، علاوة على الإتفاق بين السعودية وإريتريا فى أبريل 2015 فى مجال محاربة الإرهاب والتجارة غير المشروعة والقرصنة فى البحر الأحمر.
حرصت مصر على مر التاريخ أن تشكل منطقة القرن الأفريقى أولوية متقدمة على صعيد سياستها الخارجية ، لما لها من أهمية خاصة من المنظور الإستراتيجى المصرى ، وذلك نظراً لما تضمه من مصالح حيوية وإهتمامات يأتى فى مقدمتها مياه النيل فى ظل الحاجة الملحة لتنفيذ مشروعات تنمية مواردها بالمنابع العليا لتلبية كافة متطلبات التنمية وأمن البحر الأحمر وإستقرار الأوضاع فى منطقة القرن الأفريقى بإعتبارهما يمثلان النطاق الجنوبى للأمن القومى المصرى خاصة فى ضوء تأثيرهما على أنشطة الملاحة فى قناة السويس، ثم السودان دولة الجوار الجغرافى المباشر ، والتى تشكل العمق الإستراتيجى للأمن الإقتصادى والعسكرى، هذا إلى جانب أهمية إستقطاب صوت دول المنطقة لصالح دعم القضايا المصرية فى المنظمات الإقليمية والدولية وتوثيق العلاقات مع الدول ذات الثقل فى
المنطقة من منطلق الحرص على عدم الدخول فى دائرة التنافس حول الدور الإقليمى داخل القارة.
إن دراسة وتحليل الدور السعودى فى منطقة القرن الأفريقى بكافة أبعاده ، يتطلب أهمية بلورة إطار مصرى واقعى ومحدد للتعامل مع مردودات الدور السعودى على الأمن القومى المصرى، بحيث يحكمها معادلة يتمثل قوامها الأساسى فى الحفاظ على المصالح والأهداف القومية المصرية، وتحقيق أقصى إستفادة من العلاقات السعودية المتنامية مع دول المنطقة لتجاوز القضايا الخلافية خاصة المتعلقة بالأمن المائى.
مرت العلاقات السعودية مع دول القرن الأفريقى سياسياً وإقتصاديا بفترات مزدهرة خلال الفترة التى سبقت عام 1991 حيث تزامن إنهيار نظام الرئيس محمد سياد برى فى الصومال، مع إنشغال المملكة ودول الخليج بحرب تحرير الكويت وما تلاها من تقوقع إقليمى ثم إنشغال بالشأن الداخلى، كما ساهم عدم الإستقرار فى منطقة القرن الأفريقى إلى عدم توافر الظروف الملائمة والمثالية للتعاون السياسى والإقتصادى فى هذه المنطقة الإستراتيجية، وزاد الأمر سوءاً زيادة أعمال القرصنة البحرية على سواحل القرن الأفريقى وعدم الإستقرار السياسي المُزمن فى الصومال.
ساهم تصاعد الأحداث فى اليمن وتنفيذ "عاصفة الحزم" إلى إعادة إكتشاف الأهمية الإستراتيجية لمنطقة القرن الأفريقى، حيث إن الإنزال البحرى السعودى / الإماراتى فى عدن ما كان ليتم لولا التنسيق المباشر مع جيبوتى.
خلال فترة الغياب السعودى إستغلت جهات ودول إقليمية ومنها إسرائيل وإيران ثم تركيا الفرصة لتعزيز وجودها السياسى والعسكرى والثقافى لتنضم لقائمة دول سبقتها حيث تستضيف جيبوتي أكبر قاعدتين عسكريتين فرنسية وأمريكية فى أفريقيا، بالإضافة لتواجد القوّات الإسبانية والألمانية والإيطالية. كما أنّ اليابان إفتتحت فى جيبوتى عام 2011 أوّل قواعدها العسكرية الدائمة فى الخارج منذ عام 1945 ، أعقب ذلك قيام الصين بالإهتمام بمضيق باب المندب حيث توصلت الحكومتان الجيبوتية والصينية فى فبراير 2014 لإتفاق يسمح بإستخدام ميناء جيبوتى من قبل البحرية الصينية.
تساهم التحركات السعودية الأخيرة لتطوير علاقاتها مع دول القرن الأفريقى فى تعزيز الأمن الإقليمى والبحرى بمضيق باب المندب، والحد من عمليات القرصنة وتحرك وتنقل المجموعات الإرهابية عبر البحار، وأيضاً السيطرة على عمليات تهريب السلاح إلى اليمن أو مناطق الصراع فى الشرق الأوسط.
ساهمت التحركات السعودية فى إحباط مخططات الحرس الثورى الإيرانى الخارجية، والذى نجح فى زرع خلايا إيرانية فاعلة ونشطة، تنطلق من القرن الأفريقى؛ لتلعب دوراً محورياً فى تطبيق المشروع الإيرانى الرامى لنشر الفتنة والفوضى والطائفية فى السعودية.
فى ضوء ما تقدم يبرز الأتى :
1- إن الأهمية الجيوبوليتكية والإستراتيجية لمنطقة القرن الأفريقى، وما تمثله من حزام للأمن القومى والأمن الغذائى السعودى، تشكل أهمية كبرى لتحقيق مصالحها على الصعيد السياسى والدبلوماسى والأمنى والإقتصادى، خاصة فى ظل تنامى التهديدات المختلفة وتصاعد الدور الذى يلعبه فاعلين مختلفين بداية من إسرائيل وإيران والقوى الدولية الأخرى.
2- تكثيف السعودية جهودها خلال الأشهر الأخيرة للإنفتاح بدرجة أكبر على دول القرن الأفريقى نتيجة لإدراكها لأهمية تلك المنطقة لتحقيق المصالح السعودية.
3- ما تتمتع به المملكة من رصيد كبير لدى دول القرن الأفريقى إرتباطاً بأبعاد مختلفة ثقافية وإجتماعية ودينية تجعلها نقطة إرتكاز يمكن الإعتماد والبناء عليها من أجل إقامة وتطوير العلاقات وبناء شراكة أمنية وإستراتيجية وإقتصادية قوية.
4- إستثمار الإجراءات التى إتخذها المستثمرين السعوديين مؤخرًا لتعزيز إستثماراتهم فى المجال الزراعى بمنطقة القرن الأفريقى للمساعدة فى توفير الأمن الغذائى كونه تطور مهم يمكن دعمه وتطوير آلياته والبناء عليه ليكون مدخل هام لمنطقة القرن الأفريقى.
5- ضرورة تعزيز التعاون الإقتصادى السعودى مع دول القرن الأفريقى، حيث أن الإستثمارات السعودية اليوم فى القرن الإفريقى لا تتجاوز 2٪ من إستثماراتها حول العالم، والعمل على إزالة العقبات الإقتصادية والتعريفات الجمركية وغيرها من القضايا التى تحد من زيادة التبادل التجارى.
يحد من تنامى الدور السعودى فى منطقة القرن الأفريقى تحسب دول المنطقة من مساعى السعودية لنشر الإسلام الوهابى بدولها، والذى يرى البعض أنه يركز على الشكل دون المضمون، وأنه ربما يكون مقدمة لإنشاء جماعات دينية متطرفة.
ترتيباً على ما تقدم فإن تنامى الدور السعودى فى منطقة القرن الأفريقى وتزامنه مع العلاقات المصرية السعودية المتميزة والمتصاعدة خلال الفترة الأخيرة وعلى مر العصور سيكون له العديد من المردودات الإيجابية أبرزها:
1- المساهمة فى تقريب وجهات النظر بين مصر ودول المنطقة خاصة إثيوبيا لتجاوز الخلافات حول قضية "سد النهضة" والإتفاقيات السابقة حول توزيع حصص مياه النيل والتعاون المشترك مع دول حوض النيل من خلال المسارات الأتية:
أ- تنفيذ مشروعات مشتركة فى إطار تعاون ثلاثى مصرى سعودى إثيوبى، أو مصرى سعودى وأى من دول حوض النيل تستهدف تحقيق التنمية المشتركة وفق مبدأ الربح للجميع.
ب- إستخدام الإستثمارات والعلاقات السعودية المتنامية مع دول القرن الأفريقى خاصة "إثيوبيا" كأحد أوراق الضغط لدفعها للتفاوض بجدية حول قضية "سد النهضة".
2- تحجيم / الحد من تنامى أدوار القوى الإقليمية المنافسة والقوى الغربية بتلك المنطقة الحيوية للأمن القومى المصرى والعربى.
3- تأمين العمق المصرى والعربى على الإتجاه الإستراتيجى الجنوبى والتصدى للقوى الخارجية الراغبة فى الإستئثار بثروات المنطقة من خلال توظيف القدرات والإمكانيات المصرية / السعودية للتصدى للأطماع الخارجية سواء الإقليمية أو الدولية.
4- يشكل نواة لوضع إستراتيجية عربية موحدة لمواجهة الدور الإيرانى المتنامى بالقرن الأفريقى إرتباطاً بإنعكاساته السلبية على الأمن القومى المصرى والعربى.
5- تأمين مضيق باب المندب والذى يعد أحد أهم عناصر الامن القومى المصري، والعربى معاً، فهو يتحكم بخطوط الملاحة عبر البحر الأحمر وقناة السويس، ومن شأن أى خطر يتعرض له هذا المضيق أن يعرض الأمن القومى برمته إلى الخطر. فهو البوابة الحامية لخطوط التجارة العابرة للبحر الأحمر.
وختاماً يجب الأخذ فى الإعتبار أن تنامى العلاقات السعودية مع دول القرن الأفريقى، يعتبر سلاح ذو حدين، فهو يصب فى صالح مصر حالة إذا لم تشهد علاقاتها مع المملكة أى إضطرابات أو خلافات، لكن فى حال حدوث خلافات كما جرى مع قطر مؤخرًا فإن هذا النفوذ السعودى سيؤثر سلبًا على الأمن القومى المصرى.
………………………………………………
* الكاتب: لواء دكتور محمود ضياء الدين عيسي استشاري الدفاع والأمن والخبير في الشأن الافريقي