الفن جزء لا يتجزأ من تكوين المجتمع لما له من تأثير كبير، وانتشرت في الآونة الأخيرة مسلسلات العنف والإثارة والقتل، وبالتأكيد عندما يتابع المشاهدون هذه الأعمال يتأثرون وبالأخص الأطفال الذين يقلدون ما يشاهدونه، وفي السطور التالية نناقش تأثير هذا النوع من الأعمال الفنية على الفرد والمجتمع...
في البداية، أوضحت الدكتورة إيمان السيد، أخصائي إرشاد نفسي، أن الفن بشكل عام يساعد في تشكيل أفكار ووجدان المجتمع وتشكيل أفكار الشباب والأطفال، وفي الماضي كنا نتعلم من الأعمال الدرامية الفضيلة والقيم والمبادئ، لأن الفن في الماضي كان يسير بمدرسة كلاسيكية وهي انتصار الحق على الباطل والخير على الشر، فكان هذا يساعد المجتمع أن يسير على نفس النهج والقيم، ولكن مع ظهور مدرسة الفن الواقعي التي تتبنى أحداثا في المجتمع وتحاكيه بشكل واقعي وحقيقي، وبتسليط الضوء على نماذج سيئة على الرغم من أنها رغم تواجدها لا تكون مثل التواجد القوي الذي تعرضه مثل هذه الأعمال الدرامية، وبالتالي تقل الأعمال التي تبرز القيم والأخلاق الحميدة والتي تكون مثل المعلم أو المدرسة التي تساعد على نشأة الطفل وتكوين افكاره.
تأثير العنف على المجتمع
وأكدت أن هناك علاقة وثيقة بين ارتفاع عدد حالات الجرائم في المجتمع وعرضها على الشاشة وهذا له تأثير سلبي كبير جدا على النشء والأطفال والشباب، والمشاهد العنيفة لها تأثير طويل المدى على الطفل حيث يكون العنف شيء طبيعي، وتتبلور تأثير هذا النوع من الدراما على الطفل في الآتي:
- ارتفاع معدلات العنف بين الأطفال بسبب تقليدهم لما يشاهدونه لأن العقل عبارة عن تخزين معلومات يمكن استدعاؤها في أي وقت وبالتالي يصبح العنف أسلوب حياة.
- الأكبر سنا أو الشباب من الممكن أن يلجأوا إلى ما يشاهدونه في حالة الأحباط النفسي وهو لا يتعمد التقليد لكنه يطبق مشاهد العنف في حالة السخط على حاله.
- كثرة مشاهدة أعمال الجريمة تؤدي إلى حالة من تبلد المشاعر والأحاسيس تجاه أي جريمة أو عنف يحدث، فهذا يهون من شأن الجريمة في المجتمع.
- زيادة حالات العنف والقتل في الشارع وأمام المارة بمنتهى القسوة وهناك من يدافع عن المجرم ويخلق له مبرراته.
وأشارت الدكتورة إيمان السيد إلى أن للأسف الدراما عندما تعرض تلك الأعمال لا تعالج هذه القصة بالشكل الذي يدين المجرم بل يخلق له مبرراته، على سبيل المثال في مسلسل "سفاح الجيزة" على الرغم من أنه قام بذبح وقتل العديد من الأشخاص منهم صديق عمره إلا أنهم أظهروا ان هذا فعله نتيجة تأثره بنشأته مع أم قتلت والده أمام عينيه وأنه حرم من والده في سن صغير، فقدموا دوافع له ومبررات فجعلت البعض يتعاطف معه.
وعي الطفل وإدراكه
ومن جانبها، أكدت الدكتورة ريهام عبد الرحمن باحثة في الإرشاد النفسي والتربوي جامعة القاهرة، أن الأطفال والمراهقين يتأثرون تأثرا كبيرا جدا بالمشاهد الدموية وللأسف فهذا يؤثر على وعي الطفل وإدراكه

حيث إن الطفل ليس لديه القدرة على تحليل الأحداث بمنطقية وفهم سليم مما يجعلهم يندفعون لتقليد تلك المشاهد الدرامية التي يغلب عليها طابع العنف وارتكاب الجرائم.
كما أن المشاهد المقدمة في سياق المسلسلات الدرامية لا تتناسب مع بعض الأعمار كمشاهد الاختطاف والعنف اللفظي والمعنوي والتحرش والتدخين والخيانة وهو ما يعرض سلوك الطفل للانحراف.
العدوانية والجريمة
والبرمجة الخاطئة في عقل الطفل والمراهق لما يقوم به بطل العمل الدرامي حيث يتصور أن العدوانية والقيام بالجريمة هي دافع ورد فعل طبيعي للظلم الذي تعرض له بطل العمل فيصبح بالرغم من إجرامه البطل الشجاع في نظر الأطفال والمراهقين.
وأشارت إلى أنه مع انتشار الأعمال الدرامية التي تقدم العنف والبلطجة والجريمة بكل تفاصيلها، انتشرت معدلات الجريمة في الشارع المصري وانخفضت مؤشرات الرضا والتسامح وحب الخير للآخرين.
بالإضافة لشعور الإنسان بالحزن والعجز لوجوده في بيئة غير عادلة وغير مستقرة تتسبب له في كثير من الضغوط النفسية كاضطراب القلق العام والشعور بالذعر والهلع نتيجة التواجد في بيئة غير آمنة.
دور الأسرة والمدرسة
وللأسرة دور كبير في توجيه سلوك الطفل والمراهق وحثه على تنظيم وقته، والبعد عن مشاهدة هذه الأعمال السلبية والتأثر بها من خلال التحليل الواقعي لأحداث المسلسل وترك له الفرصة لنقده والتعبير عن مشاعر.
أيضا للمجتمع المدرسي دور في توعية التلاميذ بأسباب انتشار الجريمة ورفع الوعي الثقافي لديهم.
الإنسان ابن البيئة
ومن جانبها، قالت الدكتورة منى شاكر، استشاري نفسي وعلاقات أسرية، أن هناك تعبيرا بسيطا ولكنه يدل على أن الإنسان يتأثر بكل ما يحيط به وهو أن "الإنسان ابن البيئة"، فـبناء المنطقة الواحدة تكون سلوكهم وطريقة كلامهم واحدة، وكان قديما يتم مراعاة ذلك من جانب الفن حتى لو كانت الأعمال تعرض بعض مشاهد العنف أو الضرب كان يتم ذلك بشكل مبسط، ولكن الآن تعرض الجريمة وكأنها علم يدرس للمشاهد من أجل تطبيقها، وعند عرضها على المشاهد بمختلف الثقافات والأوساط، نجد أن استقبالها متعدد، إما أن يتأثر الشخص نفسيا ويصاب بحالة من الإحباط والرعب وعدم الثقة في الآخرين وبالتالي يميل إلى العزلة والبعد الناس والخوف من كل معاملة طيبة، أى أن هذه الأعمال الفنية تمرض المشاهد وتزيد من حالة القلق لديه والاكتئاب والتقوقع حول ذاته لدرجة أنه قد يصاب بـ "حرمان بيئي"، ويبدأ الخوف من المحيط والعلاقات مثل الأهل والجار والأصدقاء، لما ورائه من جريمة محتمة كما شاهد في المسلسل.

وتابعت: وهناك فريق آخر، يقابل هذا وكأنه حلول لمشاكله، وإذا صادف أن يمر المشاهد بمشكلة أو موقف مشابهه لما يمر به البطل في العمل الدرامي، يجد أن الحل بسيط وسهل وبالخطوات أمامه على الشاشة وكأنه مغيب ولكن كل تفكيره ينحصر في أن هذا هو الحل الأمثل لجميع المشاكل "القتل"، والدليل على ذلك أننا نجد أن هناك أعمال درامية تحاكي جريمة محددة يحدث بعدها جريمة مشابهه في المجتمع.
وهناك فئة من الأعمال تردد أن هذا هو الواقع الذي نعيشه وهذا الأمر عار تماما من الصحة، وهذه الأعمال يشاهدها الأجيال الجديدة ويشعروا بعدم الانتماء.
أما فئة صغار السن، فرغم التحذيرات ووضع التصنيف العمري قبل عرض العمل الدرامي، ما هو إلا مسكن لضمائرنا، فعندما نعرضها للمشاهدين وهي حالة من عدم الوعي الأسري ومشاهدة الأطفال لهذه الأعمال، تصيبهم بنوبات فزع أثناء النوم وخوف وقلق من ذويهم، بل ويصل الأمر أنه قد يربط أكلة معينة ظهرت في العمل وحدث جريمة وفقد حياته، تصيب المشاهد بعقدة نفسيه ترافقه طوال العمر بسبب هذا المشهد الذي لا يتعدى الدقائق المعدودة.
ويبدأ الأطفال والمراهقون غير الواعين في ممارسة العنف مع أصدقائهم، ويتجرأوا لاستخدام الآلات الحادة في حال عدم المراقبة عليه من الأسرة بشكل كاف، لافتة إلى أن عند النظر لأضرار مثل هذه النوعية من الأعمال الفنية فهي جسيمة، أما الفوائد هي (صفر).
والنتيجة أن هذه الأعمال تنتج جيل فاقد لكيفية استخدام العقل، وواضع تركيزه في استخدام العضلات فقط، ومستخدم للكلمات البذيئة التي تنم عن مجتمعات فاقدة للانتماء، ولا يتعلم سوى الضياع.
واستنكرت د.منى شاكر أنه كيف يتم المساواة في عرض القصص والسير الدرامية بين حياة الشخصيات المنحرفة في المجتمع وتذاع شهرتهم بسبب انحرافهم وبين الشخصيات المؤثرة والأبطال والمخترعين.
ونصحت قائلة: "احسنوا البيئة لاستحسان الإنسان"، ويكون جيلا ناجحا، بإظهار النماذج القدوة لهم، لأن إذاعة أعمال لنماذج سلبية ومنحرفين في المجتمع نأخذ منهم العظة والعبرة فقط، في ظل البحث عن التريند والشهرة، بعدما كانت الدراما تعرض نماذج مثقفي المجتمع وحياتهم ومعاناتهم في الوصول لأعلى المكانات، وهو ما تعلمنا منهم الصبر والسعي والاجتهاد لتحقيق الذات ونكون أشخاص نافعين للمجتمع.
طاقة أعمال العنف
وأكدت لبنى أحمد، استشاري الطاقة الحيوية، ومتخصصة في علوم الطاقة، أن الأعمال التي نشاهدها على الشاشة بالتأكيد تؤثر تأثير سلبي في طاقة الإنسان الذي يشاهدها، فالطاقة التي نصدرها ونشاهدها تعود علينا، فعندما نشاهد أعمال رومانسية تكون طاقة المكان وطاقتنا بها حب، وعندما نشاهد اعمال بها خوف تنقل لنا طاقة خوف ورعب، وعندما نشاهد قرآنا كريم أو نسمعه تكون في المكان طاقة خير وبركة، لأن الاشخاص تبرمج والأماكن أيضا تبرمج والطعام والماء.

فجسم الإنسان معظمه ماء والماء من أكثر الأشياء التي تحتوي على خلايا ذكية، التي تتبرمج بالشيء الذي يتم تفريغه عليها ، فالإنسان عندما يسمع أو يشاهد أشياء بها شر وأذى جسمه يتم برمجته على هذا الشر والأذى.
ففي علوم الطاقة دائما، نشدد على ان نعي جيدا ما نسمعه او ما نشاهده، فانا دائما انصح بعدم تشغيل قنوات بها حروب او قتل حتى ونحن نائمون، لاننا سنستيقظ وبداخلنا رعب، واذا كان الصورة والصوت امامنا ونحن مستيقظين يكون التأثير اعلى بكثير.
ولا بد أن نركز دائما فيما نشاهد لأنه طاقته تدخل في المياه ويبرمج أيضا المكان الذي نجلس به حتى حوائط المكان، وطاقة الرعب أو الموت كذلك فمشاهدة هذه الأعمال خطر كبير على الطفل وعلى الإنسان الكبير أيضا.
ونصحت أنه إذا قمنا بمشاهدة هذه الأعمال الدرامية التي تحتوي على مشاهد قتل وذبح، فعلينا أن نشغل القرآن الكريم مع البخور وفتح نوافذ الغرفة، وعدم النوم بعدها مباشرة، حتى لا يحدث برمجه وتداعي لمثل هذه الأفكار أثناء النوم، لذلك يقولون دائما عندما تريد حفظ شيء كرره قبل النوم، وعند الاستيقاظ صباحا تجد نفسك حفظتها وتتذكرها بسهولة.