هزيمة مؤكدة ونصرُ مشروط

هزيمة مؤكدة ونصرُ مشروطعصام عياد

الرأى4-11-2024 | 12:42

المتأمل في سنن الله في كونه ، والقارئ للتاريخ ، يجد أننا على أبواب حدثين هامين آلا وهما :

هزيمة مؤكدة للكيـ ان الصـ هـ يـ و ني لأن المتأمل في سنن الله في كونه ، والقارئ للتاريخ ، يعلم يقيناً أن الله مهلك الأمم الظالمة ، حتي و إن علت وتمكنت وملكت ما ملكت وهذا الكيـ ان قد بلغ من الظلم مداه ، بغي و طغي وتجبر ، فأبشروا وبشروا ، فهلاكه قريب ، وهزيمته مؤكدة باذن اللهز

و قد يتوهم البعض أن ذلك أمر بعيد ، وقد يقول قائل يمتلك الكـ يـ ان من التكنولوجيا والتقدم ، الكثير والكثير ، وقد يقول آخر ، أنه يقف ورائه ويسانده قوي عظمي فالولله لو ملك فوق ما ملك أضعاف و أضعاف ، ووالله لو وقفت معه الدنيا بأسرها ، فان الله مهلكه بظلمه.

وقد ذكر الله عز وجل لنا في كتابه الكريم، أمم سابقة ، كانت أعتي منه ، في العلم والتقدم والقوة والتمكين ، أهلكها الله لما ظلمت
فأين عاد التي لم يخلق مثلها في البلاد ؟ ، و أين ثمود الذين جابوا الصخر بالواد ؟ ، و أين فرعون ذي الاوتاد ؟ كلهم أهلكهم الله بظلمهم ، وكانوا قد بلغوا من التقدم والقوة والتمكين ما لم يبلغه أحد قال عنها ربنا عز وجل ﴿ وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ ﴾ العنكبوت 38 فما بالكم بهذا الكـ يـ ان ، الذي هو أقل منهم حضارة وقوة ، والذي فاق كل من قبله في الظلم والطغيان ، قتل الأبرياء ، قتل الأطفال الرضع والشيوخ الركع ، والأهالي العزل فاق ظلمه الجميع ، فقد هدم البيوت ، والمساجد والكنائس ، والمدارس والمستشفيات ، أهلك الأخضر واليابس إبادات جماعية ، وتنكيل وتعذيب ، تمثيل بالجثث والضخايا ، وترويع للآمنين ، منع المساعدات ، جهر بالظلم ، وتحدي للعالم أجمع قطع المواثيق ، لم يحترم قرارت مجلس الامن ،و لا قرارات الجمعية العمومية للامم المتحدة ، ضرب بعرض الحائط كل الأصوات الناصحة ، فصار لا يسمع لصوت أحد ، الا صوت شيطانه ، فأخذ يدهس من في طريقه دون رحمة ولا هوادة وظن أنه لا يقوي عليها أحد ، ونسي أن الله لا يعجزه شيئ في الأرض ولا في السماء
والله عز وجل يقول : " أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا " فاطر (44(فهلاكه كأئن باذن الله تعالي لا محاله
و أما عن الحدث الثاني فهو النصر ، أي نصرنا علي هذا الكـ يـ ان الظالم فهذا وعد الله للأمة الاسلامية ، بأنه سبحانه وتعالي ناصرها ، ومستخلفها وممكنها ، ودليل ذلك قوله تعالي : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ] النور55 [

كما أنه وعد رسول الله وبشرته للأمه ، كما جاء في صحيح مسلم من حديث ثوبان ، قال صلي الله عليه وسلم " ان الله ذوي لي الأرض مشارقها ومغاربها ، وان ملك أمتي بالغ ما رأيت منها ".

وقال أيضاً " بشِّرْ هذهِ الأُمَّةَ بالتَّيسيرِ ، والسَّناءِ والرِّفعةِ بالدِّينِ ، والتَّمكينِ في البلادِ ، والنَّصرِ " اخرجه احمد والحاكم والبيهقي
وإن قال قائل ، أو متي هذا النصر ، و لما تأخر.

فالمتأمل في سنن الله في كونه ، يجد أيضاً أن الله تعالي وضع قوانين في الكون ، هي سر الحياة فيه ، وتلك القوانين لا تحابي لأحد ، من أخذ بها تحقق له ما يرد ، والعكس صحيح.

و من تلك القوانين ، قانون النصر والتمكين ، فمن أخذ بتلك القوانين ، انتصر وتمكن ، ومن لم يأخذ بها كانت الهزيمة نصيبه
وقد رأينا أوقع مثال علي ذلك ، حين خالف المسلمون أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم ، و حين لم يعملوا بقوانين النصر في غزوة أحد هزموا هزموا رغم أن فيهم رسول الله صلي الله عليه وسلم ، حبيب الله وخليله ومصطفاه , وخير من مشي علي الأرضهزموا رغم أن فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، أقوي الناس إيماناً و أكثرهم تضرعاً و بذلاً وعطاءً وجهاداً في سبيل الله ، هزموا رغم أنهم الصحابة الأخيار الأبرار الأطهار فما بالكم بنا نحن ، ونحن أصحاب المعاصي والذنوب ، ما بالكم بنا نحن ونحن الأقل طاعة والأكثر معصية ولتتحقق تلك القوانين ( اي قوانين النصر والتمكين ) لا بد من شروط ، ألا وهي :
أولها و أهمها ، تحقيق الايمان : فقد بشرنا ربنا بالعلو بقوله تعالي : " وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ " أل عمران 139فكلما كانت الأمة مؤمنة ، وحريصة علي تحقيق الايمان ، تحقق النصر ، ودليل ذلك قوله تعالي " وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ" الروم 47 فاذا ارادت الأمة النصر فعليها بالايمان تصديقاً وقولاً وعملاً
ثانيهما الإعداد : عملاً بقوله تعالي : ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾.: الأنفال (60(
أعدوا لهم : أي تجهزوا لكل من يتآمر عليكم ويكيد لكم
ما استطعتم : لم يقل الله أعدوا لهم كما أعدوا لكم ، ولكن قال أعدوا لهم ما استطعتم ، فالله لا يكلف نفساً إلا وسعها ، الله يريد من عباده أن يأخذوا بالاسباب فقط ، والنتيجة عليه سبحانه ، كما قال لمريم وهي في أشد حالات الضعف " وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا " (مريم ) 25
من قوة : المقصود ، أي قوة ، وكل قوة تمكنكم من العدو وتمنع تمكن العدو منكم ، كل قوة تحقق غايتكم واهدافكم
والاعداد يتطلب أشياءً كثيرة بخلاف السلاح ، كلها ترتكز علي إعداد من يحمل السلاح ، و يتعامل معه ، ويعتبر هذا الجزء أهم من السلاح نفسه ، وهو ما يُعرف ببناء الانسان ، وهو ما انتبهت إليه القيادة السياسية جيداً ، ووجهت بالعمل به ، و من تلك الاشياء :
الإعداد البدني : فيجب أن يكون الإنسان قوياً ، للقيام بما يسند إليه من مهام الإعداد العلمي : حيث بالعلم تبني الأمجاد ، وتشيد الحضارات ، وتسيد الامم ، وبالعلم يستطيع الإنسان قراءة الأحداث قراءة صحيحة ، وبالعلم يعرف الإنسان الطيب من الخبيث ،والنافع من الضار ، وبالعلم يستطيع الانسان اختيار الطريق الصحيح ، وبالعلم يحفظ الإنسان نفسه وغيره من المخاطر
الإعداد العقائدي : فيجب أن يتربي الإنسان تربية عقائدية سليمة ، فيعلم يقيناً أن الأمر كله بيد الله ، وأن لا يحدث شيئ في الكون إلا بأذن الله ، ومن تلك التربية العقائديه :
- الاعتماد الصادق علي الله : فيعلم أن النصر من عند الله ، كما قال تعالي " وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ " الانفال 10 ، فلا يطلبه من أحد سواه , وبالطريقة التي بينها الله ورسوله
- الاستغاثة بالله والدعاء : كما استغاث أهل بدر به سبحانه وتعالي " إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ " الأنفال 9 ، فالدعاء سلاح المؤمن
الإعداد التدريبي : وهو من أهم الأشياء التي يحتاج إليها كل إنسان ، فيتدرب علي المهام التي سيكلف بها ، فيقوم بها بكفاءة ، ويتدرب علي القيادة ، ويتدرب علي العمل مع فريق عمل ، ويتدرب علي المواجهات ، وعلي حل المشكلات والتغلب علي الأزمات ، ويتدرب علي استعمال السلاح
العمل : قال تعالي " وعد الله الذين أمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضي لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونه " النور 55
فبالعمل يتحقق التقدم والرقي ، بالعمل ترفع الرأس ، و تكون العزة وتحفظ الكرامه وتتحرر القرارات
الترابط ووحدة الصف : فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ، و لقوله تعالي : " وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا " ال عمران 103 ، وقوله تعالي " وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ " الانفال 46، فما تمكن العدو منا ، الا من بعد ما نجح في التفريق بيننا بخلافات مصطنعه
طاعة ولي الأمر : لقوله تعالي : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ " النساء 59، فبها أمر الله ، و لأن بها تستقيم الأمور
البعد عن المعاصي والذنوب :لأن المعاصي والذنوب تزيل النعم وتحل النقم ، فما زالت عن العبد نعمة الا بذنب ، ولا حلت به نقمة الا بذنب ، كما قال علي بن ابي طالب كرم الله وجهه : "مَا نَزَلْ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَلَا رُفِعَ إِلَّا بِتَوْبَةٍ".
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ " الشورى. 30
الصبر : لقوله تعالي : " وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ "آل عمران: 120
وقوله تعالي " وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ "البقرة: 155 – 157

وإن كان يسقط منا كل ساعة شهيد أو حتي ألف شهيد فاعلموا ان هذه الأمة لا تموت بموت الرجال ، بل إنها تحيا بموت الرجال ، فقد مات رسول الله وما ماتت ، ويموت فيها الرجل فيخلفه ألف رجل مستعد أتم الاستعداد لتقديم روحه ودمه وكل ما يملك فداءً للوطن .
والله نسأل أن ينصر الاسلام والمسلمين و أن يحفظ بلادنا من كل مكروه وسوء.

أضف تعليق