"العنف ضد المرأة".. 25 عامًا من الكفاح من أجل التغيير

"العنف ضد المرأة".. 25 عامًا من الكفاح من أجل التغييرالعنف ضد المرأة: 25 عامًا من الكفاح من أجل التغيير

منوعات9-12-2024 | 10:40

تزامنًا مع اليوم العالمي للحد من العنف ضد المرأة الموافق 25 نوفمبر 2024، الذي يتم الاحتفال به سنويًّا في الفترة من 25 نوفمبر حتى 10 ديسمبر نلقي الضوء على العنف ضدها، الذي يعد أزمة عالمية مستمرة تهدد حياة ملايين النساء والفتيات في كل مكان حول العالم. و تتعدد أشكال العنف ضد المرأة وقد عرَّفته الجمعية العامة للأمم المتحدة بأنه "أي فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس ويترتب عليه، أو يُحتمل أن يترتب عليه أذى أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسمانية أو الجنسية أو النفسية، بما في ذلك التهديد بمثل هذه الأفعال أو الإكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء وقع هذا العنف في الحياة العامة (العمل) أو الخاصة (العنف في المنزل). " وتمثل جرائم قتل النساء أشد مظاهر العنف -القائم على النوع الاجتماعي ضد النساء والفتيات- تطرفًا؛ حيث لا تعتبر هذه الجرائم حوادث منفصلة؛ بل هي في الحقيقة ترجع لأسباب ولأشكال سابقة من العنف القائم على النوع الاجتماعي، ويمكن حصر تلك الدوافع في المعايير والعادات والأعراف النمطية في مختلف دول العالم التي تصنف النساء كونها تابعة للرجال، إضافةً إلى ذلك التمييز وعدم المساواة بين النساء والرجال في المجتمع.

والجدير بالذكر أن الأمم المتحدة تقوم بتخصيص العديد من الأيام لتسليط الضوء على القضايا العالمية المهمة؛ لكي تضعها في أجندة الاهتمام الدولي، ويعد اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة (IDEVAW) من ضمن هذه الأيام، الذي يتم الاحتفال به سنويًّا في 25 نوفمبر حتى 10 ديسمبر. ويُخصص هذا التاريخ لتخليد ذكرى الأخوات الثلاث باتريا ومينيرفا وماريا، الناشطات السياسيات اللاتي تم اغتيالهن عام 1960 بأوامر من الحاكم الدومينيكي رافائيل تروخيو، ومنذ ذلك الحدث أصبحت الأخوات رمزًا للمقاومة النسائية والنضال من أجل حقوق الإنسان والمساواة.

ولذلك تبنت الأمم المتحدة عام 1993 القرار 48/104، وهو بمثابة إعلان بشأن القضاء على العنف ضد المرأة، الذي شدد على الحاجة إلى تعريف واضح وشامل للعنف ضد المرأة، وبناءً عليه اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1999 القرار 54/134، الذي خصص يوم 25 نوفمبر كيوم عالمي للقضاء على العنف ضد المرأة. وأكد القرار أن حقوق الإنسان الخاصة بالنساء والفتيات تعد جزءًا لا يتجزأ من حقوق الإنسان العالمية.

في إطار الجهود العالمية للقضاء على العنف ضد المرأة، أطلق مركز القيادة العالمية للمرأة (CWGL) منذ عام 1991 حملة "16 يومًا من النشاط ضد العنف القائم على النوع الاجتماعي" ويتم الاحتفال بها سنويًّا في الفترة 25 نوفمبر إلى 10 ديسمبر. وتهدف الحملة إلى رفع مستوى الوعي حول العنف القائم على النوع الاجتماعي والتصدي له كأحد أبرز انتهاكات حقوق الإنسان على الصعيد العالمي.

ويشمل عمل هذه الحملة مجموعة متنوعة من الأنشطة والفعاليات التي تنظمها المجتمعات المدنية، والحكومات، والمنظمات الدولية، ومن بين تلك الأنشطة البارزة ارتداء ألوان رمزية مثل البرتقالي أو البنفسجي كرمز للتضامن مع النساء اللائي تعرضن للعنف، والمشاركة في فعاليات توعوية، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي للترويج للحملة ونشر رسائلها من خلال هاشتاج #16_يومًا.

وتم اتخاذ ثلاثة شعارات لحملة عام 2024 وهي كالتالي: "كل 10 دقائق تُقتل امرأة"، "لا عذر"، "اتحدوا لإنهاء العنف ضد المرأة"، وهو ما يبرز مدى خطورة هذه القضية وأهمية اتخاذ خطوات حثيثة لمعالجتها، وفي الوقت ذاته تسلط الحملة أيضًا الضوء على الاحتياجات والمخاطر التي تواجهها المرأة في مناطق الصراعات، مع تأكيد أهمية إشراك الرجال والأطفال في تغيير الأعراف الاجتماعية والسلوكيات، التي تسهم في استمرار العنف القائم على النوع الاجتماعي.

وفقًا لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، تشير الإحصاءات إلى أن نحو 736 مليون امرأة قد تعرضن للعنف الجسدي و/أو الجنسي من قبل أزواجهن أو من أحد أفراد الأسرة، أو من كليهما مرة واحدة على الأقل في حياتهن، والجدير بالذكر أن هذه الإحصاءات تستثني حالات التحرش الجنسي، ويترتب على تعرض المرأة للعنف مخاطر صحية عديدة، منها الاكتئاب، واضطرابات القلق، والحمل غير المخطط له، والأمراض المنقولة جنسيًّا مثل فيروس نقص المناعة البشرية HIV، مما يؤدي إلى آثار سلبية طويلة الأمد على الصحة النفسية والجسدية للمرأة وأعباء اقتصادية للمجتمعات.

ويركز الاحتفال الدولي هذا العام 2024على قضية القتل القائم على النوع الاجتماعي بوصفه أخطر أشكال العنف ضد المرأة؛ حيث يتم قتل النساء بسبب التمييز القائم على النوع الاجتماعي، ووفقًا لتقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة الصادر في نوفمبر 2024، تتعرض واحدة من كل ثلاث نساء إلى العنف؛ أي ما يمثل 30% من النساء والفتيات اللاتي تزيد أعمارهن على 15 عامًا في جميع أنحاء العالم يتعرضن للعنف في المنزل، وفي مكان العمل، وعلى الإنترنت. وفي الوقت ذاته تُقتل 140 امرأة وفتاة كل يوم على يد أزواجهن، أو أفراد أسرهن؛ وهو ما يعني مقتل امرأة واحدة كل 10 دقائق، مما يجعل المنزل المكان الأكثر خطورة بالنسبة لملايين النساء والفتيات كل يوم.

وفقًا للشكل السابق؛ فقد فقدت نحو 51.1 ألف امرأة وفتاة حياتهن في جميع أنحاء العالم على يد أزواجهن أو على يد أحد أفراد الأسرة في عام 2023، وبذلك فقد تجاوزت هذه التقديرات عام 2022 التي سجلت عدد 48,8 ألف ضحية، ولكن يرجع هذا التغير بشكل رئيس إلى الشفافية والفروقات في توافر البيانات على مستوى دول العالم، وليس إلى زيادة فعلية في الجرائم.

كما نجد أن أعلى عدد جرائم قتل سُجل في إفريقيا؛ حيث بلغ المتوسط (21,700) ضحية، تلتها آسيا بـمتوسط (18,500) ضحية، تلتها الأمريكتان بـ (8,300) ضحية، وأوروبا بـ (2,300) ضحية، وفي المرتبة الأخيرة أوقيانوسيا بـ (300) ضحية، وبذلك تستمر إفريقيا في تسجيل أعلى عدد من الضحايا من النساء على مستوى العالم من حيث الإجمالي.

وفقًا لتقرير رابطة الكومنويلث (commonwealth) يتولد عن العنف ضد المرأة أعباء وتكاليف اقتصادية. ويمكن تقسيم تكاليف العنف ضد المرأة إلى تكاليف مباشرة وغير مباشرة، إذ تتضمن التكاليف المباشرة النفقات المرتبطة بالعلاج الطبي للعنف، سواء كان في صورة بدنية أو نفسية، مثل تغطية التكاليف الطبية للجروح البدنية، ودفع تكاليف العلاج النفسي، بجانب تسديد نفقات القانون والشرطة، بالإضافة للخسائر الناتجة عن فقدان الدخل بسبب خسارة العمل.

وعلى الجانب الآخر التكاليف غير المباشرة، التي تقلل من الناتج المحلي الإجمالي عبر جملة من الروابط، تتمثل في عمليات فقدان الدخل وانخفاض الطلب الفعلي(الاستهلاك) والذي سيؤثر بدوره في إنتاجية القطاعات المختلفة مثل الزراعة والصناعة والخدمات، أو قد يتم التخلف عن بعض أيام العمل مما يترجم إلى نقص الدخل، والذي يؤدي إلى انخفاض الاستهلاك الخاص، فينتج عن ذلك تراجع الطلب الفعلي (الاستهلاك) مما قد يؤثر بالسلب في الناتج المحلي الإجمالي للدول بفضل الترابط بينهما في الدورة الاقتصادية لتوليد الدخل.

أن العنف ضد المرأة يمثل عبئًا ماليًا على اقتصاد الدول؛ حيث تتفاوت التكاليف بين الدول المتقدمة والنامية، ففي الدول النامية مثل فيجي وبوليفيا تصل التكاليف إلى نسب مرتفعة من الناتج المحلي الإجمالي 6.6% و6.46% على التوالي، مما يعكس تأثيرًا اقتصاديًّا أكبر على تلك الدول، أما الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة وأستراليا، تكون التكاليف مرتفعة والتي تقدر بـ 273.4 مليار دولار أمريكي و19.2 مليار دولار أمريكي؛ لكن بنسب أقل من الناتج المحلي الإجمالي، وبذلك يمكن القول إن هناك حاجة إلى سياسات فاعلة لمكافحة العنف ضد المرأة، وذلك ليس فقط لحماية المرأة، وإنما لدعم النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

ولابد من تعزيز التشريعات والسياسات الداعمة: ضرورة وضع وتقوية السياسات والقوانين التي تراعي المنظور النوعي لمكافحة العنف ضد المرأة بشكل فاعل، مع ضمان التنفيذ السليم لهذه القوانين، وتوعية أفراد المجتمع.

تمكين منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الوطنية: تجب زيادة تمويل منظمات المجتمع المدني، خاصة تلك التي تقودها المرأة، والتي تلعب دورًا حاسمًا في مكافحة العنف ضد المرأة، إضافة إلى إشراكها في جميع مراحل العمل، من التصميم إلى التنفيذ والرصد واتخاذ القرارات والحوكمة، كما يجب تعزيز دور المؤسسات الوطنية في وضع الظاهرة ضمن الأولويات المجتمعية، وتوجيه الوزارات والمؤسسات الأخرى، والمساعدة في جمع الأموال وتوجيه المواطنين لمكافحة العنف ضد المرأة.

التركيز على الوقاية: تجب معالجة الأنظمة والهياكل الكامنة التي تُغذّي العنف وتُعيد إنتاج الصور النمطية والتحيزات والتمييز، وفي الوقت ذاته يجب إنشاء مناهج وأدوات تعليمية متنوعة للحد من الظاهرة، واستخدام وسائل الإعلام والتقنيات الرقمية لنشر رسائل محلية حول أهمية المساواة وكيفية التعرف على العنف ضد المرأة والاستجابة له.

توفير الخدمات: يجب توفير خدمات رعاية شاملة للناجيات من العنف، مثل: الدعم الصحي والقانوني والنفسي والاجتماعي، كما يجب الاستثمار في تعزيز قدرات مقدمي الخدمات، وخاصة في المناطق الريفية.

تحليل البيانات: يجب جمع بيانات موثوقة وقابلة للمقارنة ومُفصّلة لهذه الظاهرة، مثل: نوع العنف والسكان والمناطق التي تمارس فيها الظاهرة؛ لضمان فهم واضح لمسببات العنف ضد المرأة. وفي الوقت نفسه يجب استخدام تلك البيانات في وضع السياسات والبرامج والميزانيات المخصصة للقضاء على العنف.

ختامًا، يتضح أن القضاء على ظاهرة العنف ضد المرأة ليس مجرد خيار، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية لضمان مستقبل أكثر عدلًا وإنصافًا؛ حيث يتطلب تحقيق ذلك وعيًا مجتمعيًّا، وتكاتف الجهود بين الأفراد والمؤسسات، وسن تشريعات صارمة تضمن حماية كريمة للمرأة وتمكينها من حقوقها. فلنعمل جميعًا على بناء عالم تُحترم فيه كرامة المرأة، وتُصان حقوقها، لتكون شريكًا فاعلًا في بناء مجتمعات مزدهرة وآمنة.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان