سعدت كثيرا بهذه التجربة التي تتمثل في الفيلم المصري السعودي " ضيّ .. سيرة أهل ال ضيّ "، من تأليف هيثم دبور وإخراج كريم الشناوي ، وهو الفيلم الذي افتتح مهرجان البحر الأحمر السينمائي، فالمعالجة الذكية للفكرة، والمواهب الشابة التي اشتركت في الفيلم، والتحية العذبة التي قدمها الفيلم لمشوار محمد منير الغنائي، وهي الأجمل والأرق، وذلك في إطار الحكاية، والصعوبات الفنية التي تجاوزها السيناريو، مع قليل من الملاحظات، كل ذلك يجعلني سعيدا ومتحمسا، بعمل مؤثر وبسيط وعميق في نفس الوقت.
محور الفيلم وبطله فتي يافع من فئة الألبينو، أصحاب البشرة البيضاء الناصعة، والذين تؤذيهم الشمس، ويتعرضون طوال الوقت للتنمر وللتهميش، ويوصفون بالأشباح البيضاء، وصعوبة أن تحكي عن أحد هؤلاء أن تتورط إما في الشفقة المبالغ فيها، أو في الكآبة والحزن والنكد، أو أن تستغل الحكاية من باب الرؤية السطحية، ومواكبة الموضة، فتقدم فيلما دعائيا هزيلا، بدون تعب علي الدراما والشخصيات.
لكن الفيلم تجاوز ذلك، بهذا المزيج بين الجدية ولمسات الضحك، وبالحضور الفائق والتوفيق في اختيار الممثل بدر محمد بطل الفيلم الألبينو، وبالجمع بين الغناء والمواقف الدرامية المؤثرة، وباستخدام نوعية أفلام الطريق، عبر حبكات أقرب إلي القصص القصيرة، والتي تعود لتصب من جديد في الحبكة الأصلية، وسط صراعات وعقبات كثيرة، وصولا إلي نهاية غير تقليدية، وبالخروج عموما من دائرة الألبينو، الذي يخاف من الشمس، إلي تغيير في الشخصيات الثلاث المصاحبة له، أي بتغلّب الجميع علي مخاوفهم، وكأن كل إنسان له شمس يخاف منها، وله مشكلة يرفض مواجهتها، ولا حل سوي بالمواجهة، وبالرحلة، وبالتجربة، ومن خلال الآخرين، ومساعدتهم، وليس بالابتعاد عنهم.
التقط هيثم هذه "التيمة" بذكاء، واختار أن تكون المفارقة أكبر وأعمق، فهذا الفتي، الذي يدرس في المرحلة الإعدادية، نوبي يعيش في أسوان، وفي مجتمع أسمر اللون بالكامل تصبح أزمة الفتي أصعب، يطلقون عليه اسم ضيّ نسبة إلي بياضه، تركهم والده بعد مولده، وأمه زينب تخاف عليه، وترفض خروجه من البيت، خوفا عليه من الشمس، ولكنه يهرب إلي المدرسة، بينما شقيقته السمراء تغار منه، بسبب محبة أمهما له.
لا يوجد ضيّ في حياة ضي إلا عشقه للغناء، و لمدرسة الموسيقي المسيحية صابرين، القادمة من المنيا، والتي تصر علي أن يسجل ضي فيديو قصيرا، لكي يشترك في مسابقة "ذا فويس"، وبالفعل يرسلون إليها بضرورة حضور ضي إلي مدينة الإنتاج الإعلامي لكي يتم اختباره.
وعبر رحلة الأربعة، ضي وصابرين والأم والأخت، إلي القاهرة في مغامرة خطرة، تتشكل معالم تجربة تغير من حياة الجميع، خاصة عندما يفقدون كل شيء، ويصبحون أمام اختيار صعب، بين استكمال الرحلة أو العودة.
الصعيد وأماكنه من النوبة إلي الأقصر وقوص، والصراع الحاد بين أم شرسة وفظة، والمدرسة المتسامحة الرقيقة، ودخول الأخت الغيورة علي الخط، وسرقة متعلقات وسيارة المدرّسة، ثم محاولة بيع ما يمتلكون للحصول علي تذاكر، ولحظات اليأس ثم عودة الأمل، والصعود والهبوط، كل ذلك هو عنوان الرحلة، التي بدت كقصص قصيرة في إطار القصة الأصلية، وصولا إلي الوصول إلي القاهرة عبر صندل لنقل البضائع.
لا تتوقف المتاعب، ولا المفاجآت، وأغربها ظهور محمد منير، معشوق الفتي، في المستشفي الذي يعالج فيه ضيّ من الشمس، وبدلا من برنامج "ذا فويس"، يظهر ضيّ في برنامج آخر شهير، ويراه كل من ساعدوه في رحلة الذهاب إلي القاهرة.
تتضاءل أهمية برنامج المواهب، فلا أحد يصبح مغنيا عظيما بمجرد الاشتراك في "ذا فويس"، كما قال منير، والأهم أن ضيّ لم يعد يكره الشمس، أو يخاف منها، لأنه عرف أن شقيقته تحبه، وأن أمه تقاتل من أجله، وأن مدرّسة الموسيقي تساعده، وتؤمن بموهبته، وأن العالم واسع، والحلم يستحق العمل، كما أن الشخصيات الأخري أيضا أعادت ترتيب حياتها: الأم الشرسة التي هجرها زوجها كشفت عن وجه الشفقة، والمدرّسة حصلت علي عريس، هو زميلها يؤنس ابن بيت العود، والذي لعب دوره بحضور فائق، وخفة ظل محمد ممدوح، الجميع تغيّروا، والشمس تغمر المشهد أخيرا، عندما يلقي ضي بالضرس في النيل، في احتفال مؤجل من طفولته، لقد حصل أخيرا علي الاعتراف، ولم يعد شبحا أبيض مهمشا.
لم تعد الحكاية عن مرض بعينه، ولكنها حلّقت في السماء مثل مناطيد الأقصر الملونة، صارت رحلة إحساس بالآخر، ومساعدته علي قهر الخوف، وتحقيق موهبته، وصارت تحية للنوبة ولمحمد منير وأغنياته، وتحية للآخر المسيحي، وللآخر المشوه، مثل رجل المطافيء، الذي تخلّص من قناع كان يلبسه، خوفا من تعليقات الناس، صارت الرحلة اكتشافا للموهبة وللذات، واكتشافا لإنسانية مفقودة، فلولا مساعدة شخصيات عابرة كثيرة، ما وصل الرفاق الأربعة إلي القاهرة.
الفيلم أيضا، من زاوية أخري، هو حكاية ثلاث سيدات في أعمار مختلفة، كلهن قويات، ولولاهن ما وصل ضي إلي الضيّ، هذه من جديد تحية للمرأة، التي تعمل في ظروف صعبة، وتتعرض لضغوط كثيرة، مما يجعل طاقة الغضب متبادلة بين النساء فيما بينهن.
الأم هجرها زوجها، وهي التي تنفق علي الأسرة من صناعة الحقائب، ويستغلها المعلم جودة (صبري فواز)، فيشتري بضاعتها بثمن بخس، وابنتها تبدو منعزلة، أقصي ما تطمح إليه أن تحضر فرح صديقتها بدور، وتعاني من التمييز والتهميش، وحتي المدرسة صابرين، تتعرض لضغوط أمها (حنان سليمان)، لكي لا يفوتها قطار الزواج، ومع كل هذه الضغوط، فإن سيدات الفيلم هن من أنقذن ضيّ، وهن من أحضرن النور من ثقب إبرة.
ربما طالت المشاهد الحوارية في النوبة، وربما زادت جرعة الصراعات بين الأم ومدرّسة الموسيقي، وبصورة مفتعلة أحيانا لا يحتاجها الفيلم، كما أن مفاجأة ظهور منير كانت بحاجة إلي تمهيد وإقناع أكثر، ولكن الحالة التي صنعها الفيلم مدهشة ومؤثرة، وجعلتنا نتجاوز هذه المشكلات، كما أن توظيف الأغنيات علي مدار الرحلة كان ممتازا، وخفف كثيرا من الأزمات، بالإضافة إلي التوفيق في اختيار الممثلين: بطل الحكاية الذي تحبه بمجرد ظهوره، والذي قدم مشاهد تمثيلية جيدة، وأسيل عمران الممثلة السعودية في دور صابرين، بلهجة مصرية متقنة، وبرقة وصفاء يحتاجهما الأداء، والممثلة السودانية إسلام مبارك في دور الأم الشرسة، التي نكرهها في البداية، ثم نتأثر كثيرا عندما يظهر وجهها الحنون، والاكتشاف الواعد حنين سعيد في دور الأخت، فقد كانت مقنعة بوجهها الجاد والساخر، الشرس والحنون، مع حضور لضيوف شرف كثيرين مثل صبري فواز والفنان السوداني الكبير محمود السراج وعارفة عبد الرسول وحنان سليمان ولميس الحديدي، ودور من أفضل أدوار محمد ممدوح، بلمسات كوميدية في مكانها.
أما ظهور منير، فقد كان مفاجأة حقيقية، تمثيلا وغناء، بدا لي أنه اختزن تجربته كلها لهذه المشاهد القليلة، وأن صدقه وحماسه للفيلم وفكرته، يخرج في صورة كلمات ونغمات، وخاصة وهو يغني "علموني عينيك أسامح".
لدينا أيضا فريق تقني ممتاز: عبد السلام موسي مدير التصوير، الذي جعل الفتي ضيّ مصدر للنور، وليس شبحا هائما مسطح الملامح، والذي صنع أجواء درامية في مكانها، ما بين ليل السطو والخوف، إلي مشهد فرحة الرباعي برؤية المناطيد الطائرة في نهار الأقصر، وباهر رشيد المونتير البارع في تتابعات كثيرة، مثل مشهد استماع من ساعدوا ضيّ لأغنيتة النوبية، ومشهد المناطيد، ومشهد هروب ضي من القطار وراء أخته، ولكن نجاح باهر الأهم في ألا نفقد زمن الرحلة، وأن ننتقل بسلاسة عبر الصندل في النيل إلي عمارات القاهرة الصماء، دون قفزات أو انتقالات خشنة.
عناصر فنية أخري مميزة مثل موسيقي مينا سامي المصاحبة للحظات الصعبة والناعمة، وملابس مونيا فتح الباب، التي عكست خليطا من الشخصيات الغريبة، وتصميم شريط الصوت المركّب لأحمد صبّور، والذي قدم مزيجا معقدا للغاية من المؤثرات والأغنيات والحوارات المختلطة معظم الوقت، ودور مهندس الديكور علي حسام في تنسيق المناظر والإشراف الفني، لتكون مكونات الصورة بهذا الثراء اللافت.
أما المخرج كريم الشناوي، فهو يثبت من جديد أنه مخرج فاهم، يعرف كيف يؤثر بالصورة وبالصوت، في مشاهد النوبة جعل البشر جزءا من لوحة أشمل، تتضمن أماكن جميلة في لقطات عامة، بينما احتفظ في مشاهد الرحلة باللقطات المتوسطة والقريبة، والأهم من كل ذلك السيطرة علي الجو العام للفيلم، وضبط إيقاع الرحلة، وامتلاك مشاهد الذروة، والحالة المبهجة التي تخرج بها من الفيلم هي ثمرة كل هذا الجهد الإخراجي.
يجعلك فيلم "ضيّ" تحب الألبينو، ليس من باب التعاطف الساذج، ولكن من بوابة أنه يمتلك مثلك حلما وموهبة، وأنه يستحق أن يعيش تحت الشمس، ورغم الشمس، ومن بوابة أنك مثله قد تخاف من شمس أخري، ولكن عليك مواجهتها، بمساعدة من حولك، وبجهد من يحبونك، ومن يؤمنون بك.
تصبح حكاية الفتي ضيّ هي حكايتنا نحن، وتبدو القصة حكاية مصرية أيضا، بالنيل والشمس و الأقصر وقوص وقطار الصعيد والنوبة الجميلة، وبأغنيات منير العابرة للأجيال، وللأزمان.