في عام 1914 صدرت رواية " العالم يتحرر " لمؤلف روايات الخيال العلمي البريطاني الشهير هربرت جورج ويلز "1866 – 1946".
والغريب أن المؤلف تنبأ في هذه الرواية باندلاع حرب نووية عالمية قبل اختراع هذا السلاح الفتاك.
وافترض "ويلز" في روايته أن البشرية ستقوم باختراع أسلحة نووية وتستعملها في عام 1959.
وقال "ويلز" إن حربًا نووية عالمية قصيرة سيتم اندلاعها وسينتج عنها تدمير الحكومات والمقرات العسكرية لجميع القوى المتحاربة، وبعدها تدرك البشرية أنها كانت قاب قوسين أو أدنى من الفناء، لتبدأ مفاوضات لتوحيد العالم وإنهاء جميع الصراعات.
وجاء عام 1959 ولم تندلع الحرب التي زعم "ويلز" بقيامها، فقد كان العالم في ذلك الوقت مشغولًا بالصراع غير المعلن بين الولايات المتحدة الأمريكية و الاتحاد السوفيتي ، ذلك الصراع الخفي الذي انكبت فيه كلٌّ من القوتين على استكمال وتطوير القوة النووية الخاصة بها.
مع ذلك يؤكد بعض الخبراء أن حوالي 80 بالمئة من جميع التنبؤات التي صدرت عن هذا الروائي قد تحققت.
كما أن تنبؤات "ويلز" لم تذهب جميعها سدى، فلا تزال الأسلحة النووية على الأرض موجودة وهي تمثل خطرا مميتًا قائمًا، على الرغم من تقلص عددها من 70 ألف سلاح نووي خلال فترة الحقبة الباردة إلى حوالي 13 ألفا في عام 2021.
كما يزخر العالم بزعماء وقادة ليس من شك في أنهم يعانون من اضطرابات نفسية وعقلية تجعل وصول العالم إلى تلك المرحلة من الدمار أمرًا ليس من المستحيل تحقيقه.
ولا يخفى على ذي بصر ما وصلت إليه الإنسانية من انحطاط يتمثل في تدني الأخلاق وانعدام العدالة وازدواجية المعايير.
فهل من المقبول إنسانيًّا أن يقف الضمير العالمي مكتوف الأيدي أمام هذا السفاح الصهيوني الذي عاث في الأرض فسادًا بقتله للنساء والأطفال دون ذنب أو خطيئة؟
وهل من المعقول أن يكون العالم مليئًا بالمؤسسات الحقوقية التي لا شغل لها إلا الحديث عن.. حقوق الإنسان و.. حقوق المرأة و.. حقوق الطفل، وهي في كل لحظة من اللحظات تُطعن في كرامتها الإنسانية بمنتهى التبجح والغلظة والقسوة، وكأن هذا المجرم ينظر إليهم ويستمع إلى أحاديثهم ويتابع حواراتهم ونقاشاتهم، ويحرك رأسه في بلاهة ويمصمص شفتيه في تأثر، ثم يهز كتفيه في لا مبالاة ويبتسم ابتسامة قبيحة خبيثة، ثم يخرج سلاحه وينهال ضربًا بالرصاص على الأطفال والنساء دون أدنى اعتبار للضمير العالمي المزعوم.
يفعل ذلك موقنًا أن العالم لن يعاقبه على جرائمه إلا بالشجب والإدانة والتنديد.
أي عقم هذا الذي أصاب الإنسانية فعجزت عن الإتيان برجلٍ رشيد يطلق صرخةً مدوية تُنبِّه قادة البشرية أنهم بِصَمْتِهِم يصبُّون الزيت على النار؟!
هل وصل انطماس البصيرة إلى الدرجة التي أصبحنا بها لا نعي أن مَنْ أَمِنَ العقاب أساء الأدب؟!
ألا يدرك العالم أن السكوت على هذا الجبان وممارساته سيغري غيره من غير الأسوياء بارتكاب الحماقات التي قد تدفع العالم إلى هوة سحيقة من الضياع الذي لن يكون ثمنه الباهظ حكرًا على الضعفاء وحدهم؟!
ولو وقف الإنسان متأملًا لرأى كثيرًا ممن يتصدرون المشاهد ويقودون الأمم يعانون بلا شك من اضطرابات نفسية وعقليةٍ تجعل الأماكن اللائقة بهم هي مستشفيات المجانين ومصحات العلاج النفسي لا عروش الدول وقيادة الأمم.
ولو انتصف العالم من نفسه لنفسه لقضى على كثير من القادة والزعماء بالنفي إلى مكان منعزلٍ عن البشر حتى يأمن العالم شرهم وينجو من أذاهم.
وكما تنبأ ويلز بالسلاح النووي قبل وجوده،
وكما وصل العالم إلى أعلى درجات الرفاهية جنبًا إلى جنب مع أخس درجات الانحطاط.
وكما امتلأ العالم بأقصى درجات النعيم جنبًا إلى جنبٍ مع أقسى درجات الشقاء.
وكما انحطت الثريا حتى غاصت جنبًا إلى جنب مع أدق ذرات الثرى.
وكما امتلأت القلوب بأعلى مشاعر اليقين جنبًا إلى جنب مع أشد دركات الشك والظلام.
وكما أسرف الإنسان في حب ذاته إلى درجة الكراهية العميقة لكل شيء حتى انعكس كرهه لغيره على حبه لذاته فجعله يتلاشى فيه ويتحول إلى مسخٍ هو أشد في شره من الشيطان الرجيم وأدنى في سذاجته من الطفل البريء.
وكما أصبح العقل يدرك أنه لا شيء مستبعد ولا شيء مهم ولا شيء غالٍ نفيس.
فإن فناء الإنسانية بيد الإنسانية، وانهدام العالم بيد مَن يوكل إليهم بنائه، وفساد العالم بيد من يؤمل فيهم إصلاحه، لن يكون بالأمر الغريب المستبعد.
ولن تكون النهاية المأساوية إذا حدثت - وهي قريبة من الحدوث- أمرًا مستغربًا.
وقد توصلت إحدى الدراسات إلى أن حربا نووية تستمر أسبوعا باستخدام حوالي 100 قنبلة نووية، ستؤدي إلى مقتل 27 مليون شخص على الأرض، وستتسبب في انخفاض الإنتاج العالمي بنسبة 7 بالمئة على مدى خمس سنوات.
هذه الحرب النووية المحدودة ستؤدي في غضون عامين إلى توقف التجارة الدولية وانخفاض درجات الحرارة على الكوكب بمقدار 1.5 درجة مئوية، وقد تتسبب المجاعة لاحقا في مقتل 255 مليون شخص.
السيناريو الأسوأ يتمثل في حرب نووية تستمر أسبوعًا وتستعمل فيها 4477 سلاحا نوويا ينتج عنها مئة وخمسون مليار كيلو غرام من السخام، تؤدي إلى مقتل 360 مليون شخص، فيما سيلقى لاحقًا أكثر من 5 مليارات آخرين مصرعهم جوعًا، كما سترتفع درجة حرارة الأرض بأكثر من 14 درجة مئوية، وسيغطي الشتاء النووي الأرض لعدة سنوات.
في هذه الحالة، ستحتاج الأرض إلى أكثر من 10 سنوات كي يتعافى مناخها الطبيعي من هذه المؤثرات المدمرة.
بمرور هذا الوقت سيكون معظم سكان الأرض قد قُتِلوا منذ فترة طويلة.
في معظم بلدان العالم سيتبقى بحلول العام الثاني من اندلاع الحرب ، أقل من ربع عدد السكان على قيد الحياة.
قنبلة نووية واحدة يمكن أن تدمر مدينة وتقتل معظم سكانها، فيما ستتسبب العديد من التفجيرات النووية فوق المدن الكبرى في مقتل عشرات الملايين من البشر، وستصل الخسائر البشرية التي ستنجم عن أي حرب محتملة بين الولايات المتحدة وروسيا إلى مئات الملايين.
الخبراء يقولون إن كرة النار الناجمة عن تفجير نووي ستصل إلى أقصى حجم لها في غضون حوالي 10 ثوان، فيما يطلق الانفجار النووي كميات هائلة من الطاقة الحرارية والإشعاعية، وستصل موجة الصدمة الهائلة إلى سرعات بمئات الكيلو مترات في الساعة.
هل يستطيع عاقل أن يزعم استبعاد حدوث ما سبق ذكره من إحصائيات في وجود هؤلاء المجانين الذين يملأون جنبات الكون ويتحدثون باسم الأمم؟!
ولنَعُد إلى "ويلز" في روايته " العالم يتحرر" تلك الرواية التي يقول فيها نصًّا:
"بعد وميض خاطف، سيقتل الانفجار النووي الأشخاص القريبين من نقطة الصفر، وتسبب الأشعة المنطلقة إصابات في الرئة وتلف في الأذن ونزيفا داخليا".
"سيعاني البشر من إصابات ناجمة عن انهيار المباني وسقوط الأجسام الطائرة، وسيتسبب الإشعاع الحراري في تبخر كل شيء يوجد بالقرب من نقطة الصفر".
"الحرارة الشديدة الناجمة عن الانفجار النووي ستتسبب في حروق شديدة كما ستشتعل الحرائق على مساحات كبيرة وتتحول إلى عاصفة نارية عملاقة".
"حتى أولئك الذين سيكونون داخل الملاجئ سيتعرضون للخطر وسيواجهون احتمال الموت بسبب نقص الأكسجين والتسمم بأول أكسيد الكربون".
"القلة التي ستنجو من الجحيم النووي ستكون في أمس الحاجة إلى إعادة التوطين على الأرض بنهاية المطاف".
هذا هو كلام ويلز الذي ذكره قبل أكثر من قرنٍ من الزمان.
فهل يستيقظ العالم مختارًا ليتجنب النهاية المأساوية المحتومة التي يسير إليها بأقصى سرعةٍ ممكنة؟ أم أنه سيبقى في غيه وضلاله منتظرًا أن يستيقظ مجبرًا على كارثة مدوية تأكل الأخضر واليابس وتجعل الكون بأسره جثةً عفنةً تتخطفها الطير أو تهوي بها الريح في مكان سحيق؟