من وحي الميلاد

من وحي الميلادبولس حليم

الرأى3-1-2025 | 19:11

في أحد الأيام رأت صديقتها وهي تقضم ساندوتش زبدة الفول السوداني بالمربى، وتمتمت فى سرها قائلة: "ياله من شيء مقزز!! لم أرى فى حياتي طعامًا غريبًا مثل هذا". وبينما هي منزعجة هكذا، فوجئت بصديقتها تعرض عليها أن تشاركها طعامها، فارتبكت جدًا، ولأنها لا تريد أن تؤذي مشاعرها، استجمعت شجاعتها وتذوقت الساندوتش وكانت المفاجاة طعم الساندوتش لذيذ جدًا!!

بقي أن تعرف أن بطل هذه القصة الواقعية هي الملكة رانيا ملكة الأردن. وكان هذا الموقف -كما ذكرت فى حديثها للاعلام - ملهمًا لها فى تأليف قصة "ليلى وسلمى"، والتي تدور أحداثها حول صديقتين فى المدرسة تتشاركان فى هوايات واهتمامات مختلفة. حيث كانت ليلى تفضل فطيرة زبدة الفول، بينما تفضل سلمى فطيرة الحمص، وكان الفرق فى غذائهما غريبًا وغير مستحب. وهنا تطرح القصة سؤالًا: هل يمكن أن يؤثر الطعام على صداقتهما؟ بالفعل نفرت سلمى من ليلى.

ونكتشف من أحداث القصة أن الحل يكمن فى معرفة الآخر وفهمه والتعايش معه برغم الاختلاف، وأن التنوع شيء جميل أوجده الله لنتكامل وليس لنتباعد، وتبلغ القصة ذروتها بتبادل الساندوتشات بين التلاميذ.ولما كانت البشرية مستغرقة فى الانانية ورفض الاخر اشرقت شمس البر بميلاد السيد المسيح وصارت تعاليمه نور اضاء ظلمة النفس الداخلية وحررها من الذات والانا وان لا تعيش لنفسها بل تنفتح نحو الاخر فى بذل وحب وعطاء يترجم الي قبول الاخر.

وهكذا يقابل كل منا مواقف كثيرة ومتنوعة مثل هذه، حيث يختبر فيها إنسانيته فى ضوء ميلاد السيد المسيح ، وتكون النتيجة إما الانغلاق أو الانفتاح. فى الانغلاق تتباعد المسافات فى الأفكار والأجساد، وينطوي الإنسان داخل كهف الذات فى عزلة داخلية ويتقوقع حول نفسه أو جماعته. ومن هنا تتسلل إلى كيانه الأنانية و التعصب والتمييز والإقصاء، بل وأيضًا الوصم والتنمر. أما الانفتاح ومشاركة الآخرين بكل ما تحمله الكلمة من بذل وتضحية وتنازل ، يستطيع أن يصل به الإنسان إلى معرفة نفسه وتحقيق ذاته فيعبر عن بركات ميلاد السيد المسيح فى اعماقه .

فالآخر ليس جحيمًا كما قال كارل ماركس. وعندما نتتبع الأسباب التي تعوق تقبل الاخر، نجد أهم سبب هو التربية الأحادية القائمة على الرأي الواحد والتي يكون فيها كل رأي آخر مختلف، هو بالضرورة كافر ومضلل. والسبب الثاني هو الذات الطائفية، وفيها يكون الإنسان أشبه بمن ينظر فى مرآة لا يرى فيها إلا نفسه، ويغيب فيها ثقافة احترام الآخر سواء فى عقيدته أو ثقافته أو حتى حريته الشخصية.

أما الجهل بالآخر فهو السبب الثالث والذي يقوم فيه الشخص بإصدار آراء وأحكام مسبقة مشوهة عن الآخر المختلف عنه، وعادةً ما يخلق لنفسه أعداءً وهميين بسببها. ونأتي إلى السب الرابع وهو المبالغة فى العبادة، والسلوك، والكلام، وأيضًا المغالاة فى التمسك بالعقيدة بدون حكمة. وهنا لا بد أن نبرز أمرًا هامًا وهو أن قبول ثقافة الآخر لا يعني اقتناعي بها؛ إنما هو إقرار مني بقبول إنسانيته واحترامها . إن التمسك المستنير بالعقيدة والمبني على احترام الآخرين فى اعتقادهم يسهم فى ازدهار الحضارة الإنسانية جمعاء.

ويبرز هنا السؤال الأهم وهو : كيف نقبل الآخر المختلف عنا ؟ وللإجابة على هذا السؤال نضع أمامنا عدة حقائق تفرد بها الإنسان عن باقي المخلوقات، الحقيقة الأولى: إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي خلقه الله فريدًا من نوعه، فيقول العلماء: "إنه لا يوجد وسط البلايين من البشر بصمة لأصبع إنسان تطابق بصمة إنسان آخر"، وأن هذا الأمر ينطبق أيضًا على بصمة العين، والتي بدأت الدول فى استخدامها خاصةً فى المطارات للتعرف على هوية الشخص! ويحدثنا رجال التربية عن أن كل إنسان يتمتع بشخصية فريدة لا يمكن أن تطابقها شخصية أخرى. إذ لا بد أن أتعامل مع الآخر على هذا الأساس، فلا أرغم الآخر لأن يكون نسخة مني، لأن هذا لن يحدث أبدًا. إذ يجب أن نحترم فرادة الإنسان الآخر ونقبلها كما هي.

والحقيقة الثانية: إن الانسان هو الكائن الوحيد الذي يقبل الاختلاف، فحيوانات الغابة تقوم بمحاولات دائمة لإبادة الأنواع المخالفة لها، أما الإنسانية تؤمن بالاختلاف الذي يوسع آفاق الإنسان. فقبولي للآخر المختلف عني فى الدين، أو العقيدة، أو المذهب، أو الطائفة، كذلك المستوي الطبقي أو العلمي... إلخ، يضفي على الحياة تنوعًا جميلًا ، ويقول الشاعر إيليا أبو ماضى: " يا صديقى أنا لولا أنت ما غنيت لحنًا.. كنت فى قلبى لمَّا كنت وحدى أتغنَّى " . وفي هذا الصدد يقول البابا شنودة الثالث عن الكاتب : ( وكأن الكاتب يقول للقارئ. بلغة إيليا أبو ماضي: أنا لولا أنت ما كنت أكتب! إذ أنني من أجلك اكتب ، حيث يختلط فكرى بفكرك، ويصير لنا فكر واحد، وليس آخر. فأنت هدفي، وأنا وسيلتك. وأنت أذني، وأنا فمك. وكلانا واحد. وحقًا ماذا تكون جدوى كلماتي من غيرك؟! إنها لا شيء! ) . اذا لابد أن تكون لي الثقة بأن الآخر لديه أشياء مهمة يضيفها إلى حياتي وبدونه يعيش الإنسان فى جحيم أنانيته.

أما الحقيقة الثالثة: هي أن الانسان هو الكائن الوحيد الذي يعرف كيف يحب، فالثقافة الإنسانية محورها هو "أن أحب الإنسان وأستعمل الأشياء" وليس العكس. فالمحبة هنا تجعل الإنسان يقبل الحوار والتعددية والآراء المختلفة مثلما نجد فى حوار الحضارات، وحوار الأديان،… إلخ. فنقبل الآخر بهويته وطريقته فى ممارستها دون الازدراء به. حيث إن المحبة تجعل القلب متسع لكي يشمل كل العالم بأجناسه وألوانه وأديانه. كما تجعلني أرى صورة الله فى خليقته وأحبها دون تمييز، فأحب الآخر كما هو وليس كما أحب أن يكون، وأقبل التعامل معه فى تآخٍ وعيش مشترك وسلام ومساواة.

والحقيقة الرابعة: هي أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يحيا مع آخر، ويقـول ابـن خلـدون ( إن الإنـسان یمیـل للعـیش فى جماعـة ولا یـستطیع أن یعـیش وحده) . فالبـشر لـدیهم حاجـات لا یمكن إشباعها إلا فى وجود الآخرین وايضا من خلال الآخر يكتشف حقيقة نفسه، ولا ينضج إنسانيًا إلا من خلال خروجه الدائم من ذاته، فوجوده لن يتحقق إلا من خلال الآخر مثلما وكما يقول أحدهم "إن الحقيقة تبدأ من اثنين". ويبرز تساؤل هام وهو : ماالذي يعطلنا لنخرج عن ذواتنا؟ . إن العائق الأكبر أمام ذلك هو خوفي أن يدخل آخر إلى عالمي الشخصي ويجعلني أتراجع عن بعض قناعاتي الشخصية ، وأقبل بمنطقة وسطية ألتقي فيها بهذا الآخر. فالآخر هو وسيلة الإنسان الوحيدة ليتعرف فيها على ذاته فيدرك أن الخسارة الناتجة عن الشركة مع الآخر أعظم من ربح العزلة مع الذات، وهذا الأمر يجعلنا نحقق إنسانيتنا.

أما الحقيقة الخامسة فهي : أن قبول الآخر ليس مشروطًا بحال الآخر، نحن لا نقبل الآخر ونحبه بالعاطفة المجردة. تلك العاطفة التي تفرق بين البشر على أساس الدم والعقيدة والوطن والجنس واللون مما يفقد الحب أهم خاصية فيه وهو الحب غير المشروط الذي يجعلنا نحب أعدائنا بل ونحسن إليهم، بل أيضًا يصل الأمر أن يدفع الإنسان حياته ثمنًا لحياة أعدائه إذا لزم الأمر، فلا يوجد اي مبرر لكي (نحب لو ) أو ( نحب اذا ) لكن (نحن نحب بالرغم من ) ، فنحن نتنفس حبًا من أجل كل إنسان أيًا كان موقفه تجاهنا أو حالته. هذه المسئولية تجعلنا على الدوام فى حالة خروج عن الذات بمشاعرها ورغباتها وتصنيفاتها وحدودها نحو الآخرين دون اي تمييز.

خلاصة القول: مهما رأينا من تصرفات غريبة فى الحياة لا ندخل فى صراع الساندوتشات، ونكون أفكارًا قد تكون خاطئة بل لا بد أن نعطي أنفسنا الفرصة لنخرج عن ذواتنا ونحقق إنسانيتنا ونتعرف على بعضنا البعض، ونضع أنفسنا مكان الآخرين ونستمع لهم ولوجهة نظرهم المختلفة والمتباينة. كما يجب أن نبتعد عن الفرز والتصنيف والوصم والتنمر، ونتعلم أشياء رائعة عن الآخرين وعن أنفسنا ولا نضيع فرصة وهبها لنا الله وهي أن نفرح بالآخرين وننمو فى حياة شركة إنسانية كما رسمها الله للبشر وحققها فى ميلاد السيد المسيح .

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان