نشرت صحيفة بريطانية تقريرًا غريبًا في توقيته ومحتواه تضمن تلمحيات اتهامية عن تضارب في العلاقة بين مصر و السعودية بزعم انحياز مصر إلى إيران على حساب علاقتها مع المملكة، ورغم سذاجته في تصوير كيفية إدارة أقوى دولتين بالمنطقة لعلاقاتيهما، إلا أن التقرير والحسابات التي روجت له ضمن حملة منظمة كشف توترًا كبيرًا لدى بعض أطراف الإقليم وارتباكهم، لاسيما بعد اهتزاز مؤسسات أمنية حزبية أو حركية أو ميليشياوية رعتها تلك الأطراف، وتخوفهم من تسرب معلومات حول كيفية إدارة وتمويل أنشطتها، وخارطة تنقلات عناصرها، وممراتها المستخدمة في تهريبها للسلاح والمخدرات، والتي استهدفت في المقام الأول ثلاث دول رئيسة بالمنطقة طوال الأعوام القليلة الماضية، هي السعودية ، الأردن، ومصر، خاصة مع وصول قياداتها الحالية إلى سِدة الحكم.
هذا التخوف أوقع عرّابي هذه المخططات في أخطاء أقرب للكارثية من بينها نشر التقرير المُشار إليه، الذي يتجاوز كونه مجرد تقريرًا صحافيًا، حيث يكشف تحليل مضمونه وتوقيته وأسلوب تحريره وقاموس مفرداته، توافقًا كبيرًا مع محتوى حسابات تحريضية تنشط الآن على تويتر، فيسبوك، وانستقرام، في حملات منظمة ضد الدول الثلاث وقيادتها بمزاعم تتشابه حتى في مضامينها مثل الترويج لانشقاقات، تجمعات وثورات، أو تجاوزات أمنية، وجميعها لا تُكمل مشهد التآمر فحسب بل تُكمل أيضًا مشهد تورط بعض المنصات الإعلامية أو الرقمية الدولية في محاولة تضليل الوعي والرأي العام في الدول الثلاث، وأن ما يبدو حتى الآن ربما يكون فقط قمة جبل التآمر الذي لم تظهر كل قواعده بعد.
لقد، كشف تقرير الصحيفة البريطانية دون قصد عن تورط بعض الأطراف الإقليمية في تهيئة المنطقة الجغرفية ذات التماس الحدودي للدول الثلاث لتكون مسرحًا للفوضى ونشر الاضطرابات في باقي دول الإقليم، مع تورطها في كل ما تعرض له قطاع غزة من دمار وقتل وتشريد لعشرات الآلاف من سكانه، وكذلك في زيادة توتر المشهد في اليمن و العراق والسودان، بهدف تحقيق أغراض إستراتيجية مهمة من بينها، محاولة إفشال أو على أقل تقدير إبطاء حالة التسارع الشديدة في تحقيق نتائج تنموية خاصة لدى مصر، حيث يحاولون زعزعة الثقة في أركانها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل وحتى العقدية من خلال محاولة ضرب مؤسساتها الدينية بأخرى في هذه البلاد.
و في ذات السياق محاولة السيطرة على ممرات تهريب السلاح والمخدرات والتنقل للعناصر النشطة على الأرض لتنفيذ هذه المحاولات، وهو ما يٌفسر في جانب منه سر التشنج والاندفاع المحموم للإساءة إلى الدول الثلاث على وجه الخصوص دون سواها مؤخرًا، كما يفسر أيضًا حالة الانفلات المريب في كيل الاتهامات بوتيرة متسارعة والتي أفقدت أصحابها الحرص فسقطوا وأقنعتهم سواء.
إن، الاستناد إلى مزاعم أن دبلوماسيات الدول الثلاث في حالة صراع دائم هو أغبى مبرر يمكن الترويج له، مع تفهم أن الحسابات الشعبوية على منصات التواصل قد تشعل الجدل بهكذا مزاعم فقط لزيادة التفاعل، لكن الحقيقة التي تفرضها قراءة الواقع وتاريخ هذه الدول أبعد ما تكون عن هكذا مزاعم.
إن، قراءة المشهد الحالي لتفسير حالة الانفلات الرقمي والإعلامي ضد الدول الثلاث، لايمكن فصلها عن سياقات الأحداث في غزة ، اليمن ، العراق، السودان، وسوريا بطبيعة الحال، ففي هذه المناطق تم تهيئة المسرح لانطلاق حالات من الانفلات نحو الدول الثلاث، ففي قطاع غزة ذو التماس الحدودي مع مصر و الأردن على سبيل المثال تم تهيئة القطاع لتدشين حركات جهادية بمذهبيات مختلفة عن حماس منذ 2014 وليس الآن، ليكون الصراع في هذه المنطقة ليس صراع نفوذ أو مقاومة كما يزعم بل صراع مذاهب، في تكرار لتجربة حزب الله في شق الصف اللبناني وتجميد المشهد في المنطقة، لقد كان يُراد لهذه الحركات أن تحذو حزو الحزب وتم زرع أحدهم ويُدعى (هشام سالم) ليقوم بهذا الدور، لكن افتقاده للدعم الشعبي في القطاع أحبط محاولاته رغم ما كان يتلقاه من دعم يزيد عن 12 مليون دولار سنويًا.
الإشكالية الأخرى أنه وفي سياق التخطيط لاستهداف الدول الثلاث، أيضًا تم زرع جناح إعلامي جديد دون أن ننتبه كثيرًا إليه في قطاع غزة كذلك بل وفي عام 2014 أيضًا تحت اسم يتماهى بشكل خادع مع اسم اتحاد إسلامي كبير ، وتم تشكيله برئاسة إحدى دول الأقليم وعضوية حكومة قطاع غزة ، و4 دول عربية تُشكل ما يسمى بمحور المقاومة إضافة إلى ماليزيا ، مع تلقيه دعمًا شهريًا هو الآخر يتجاوز 120 أف دولار، لبناء شبكات تلفزيونية وإذاعية ورقمية مضادة للمحطات والقنوات الإذاعية والتفلزيونية والرقمية الدينية في الدول الثلاث، وهو ما يفسر في جانب منه سر إدخال البُعد الديني مؤخرًا على مشهد الخطابات التحريضية ضد كل من الرياض، عمّان، والقاهرة، والذي من المُرجح ارتفاعه في الفترة المقبلة لاحتمالات عدة.
إن إعداد مسارح للعمليات على حدود الدول الثلاث ترقبًا للحظة المناسبة يتم على قدم وساق منذ 2014 وبدايات 2015، وكثافة الحواضن المذهبية المسلحة في هذه المسارح وزيادتها ليس مصادفة، بل هو ضمن مخطط يتجاوز في جانب منه كل التشدقات السياسية، الأمنية، الاقتصادية، الاجتماعية، والدينية، لتلك الجماعات، الميلشيات، والحركات، التي تلتقي جميعها في خانة العُملاء لا غير.