فلسفة الهزيمة والانتصار (1/3)

فلسفة الهزيمة والانتصار (1/3)صورة تعبيرية

الرأى20-1-2025 | 21:41

تتفاوت مقاييس الهزيمة والانتصار وفقًا لسمو النفس أو انحطاطها، فكل خسيسٍ منحط النفس عابدٍ للشهوات يرى في القتل والتدمير والتعذيب والتنكيل نصرًا وشفاءً للغيظ، وكل سامٍ راقٍ خادم لمبادئه العليا وأهدافه النبيلة يرى كل شيءٍ في سبيل نصرة المبدأ والثبات عليه هو ثمنٌ بخسٌ يدفعه راضيًا موقنًا بربح البيع.

وشتَّان الفارق بين الجشع والخسة وقرب المأخذ وسهولة المسعى من جهة، وبين النبل والنجدة وركوب المخاطر ونسيان الصغائر في سبيل العظائم من جهةٍ مقابلة.

وللكون سُنَنٌ لا تتبدل مع الأوقات والبيئات..

والمتدبر للسنن الكونية والصراعات الأزلية بين الحق والباطل، يرى أن جولات انتصار الحق على الباطل كانت قليلة جدًّا، ولكنها مع قلتها تتسم بأنها قاصمةٌ قاضيةٌ لا يقوم للباطل بعدها قائمة إلا بعد أمدٍ ينصرف فيه أهل الحق عن حقهم ويتضافر فيه أهل الباطل حول باطلهم، ولا يبقى من أهل الحق إلا فئةٌ قليلةٌ يكونون عليه ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك.

والمتدبر للسنن الكونية يرى أن مقاييس أهل الحق تختلف جملةً وتفصيلًا عن مقاييس أهل الباطل، فنجاح أهل الحق في الحركات التاريخية لا يسمى نجاحًا إذا هو لم يتجاوز حياة فرد أو طائفة من الأفراد.

والمتدبر للسنن الكونية يرى أن أهل الحق تهون عليهم دماؤهم وأرواحهم وكل ذرةٍ من ذرات كيانهم، في سبيل ما يقدسونه من عقائد وما يدينون به من مبادئٍ ومُثُلٍ عليا.

والمتدبر للسنن الكونية يرى أهل الحق يكونون دائمًا وأبدًا واثقين من النصر مهما فشا الباطل وانتفش، لا يبالون بما قد يلاقون من عدوهم من بطشٍ وتنكيل، ولا يأبهون بما يجدون من بني جلدتهم من تثبيطٍ وتخذيل.

والمتدبر للسنن الكونية يرى أن أهل الحق يكونون دائمًا وأبدًا أبعد نظرًا وأصدق حَدسًا من دهاة الطامعين والنهازين للفرص والمغانم العاجلة،لأنهم أدركوا بفطرتهم أن ما خُلقوا من أجله يتجاوز حساب أجلهم القصير، فتهون في أعينهم حيواتهم إذا اصطدم بقاؤها ببقاء ما هو أَجَلُّ وأسمى منها.

والمتدبر للسنن الكونية يرى أن أهل الحق يدركون أن ذهاب الفرد أمرٌ مفروغٌ منه، وأن مناط الأمر وجوهره ليس في حياته أو موته، وإنما مناطه يكون في المعرفة الصحيحة المشهودة التي لا مراء فيها لـ الفكرة التي عاش عليها و القيمة التي مات في سبيلها.

والمتدبر للسنن الكونية يرى أن أهل الحق تنصهر أجسادهم وأرواحهم في الفكرة الخالدة الراقية العَطِرَة حتى يكونوا بكل كيانهم جزءًا منها فيكون احتواؤها لهم أقوى من احتوائهم لها، فهم بعيدو النظر إلى عواقب الأمور وإنْ خُيِّلَ إلى الناس أنهم طائشون متهجمون.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان