رغم أن تعميق التعاون بين روسيا و إيران يعد فى الوقت الحالى أمرًا واقعيًا فى ظل مواجهة العقوبات والضغوط الغربية المستمرة على كلا البلدين، إلا أن توقيع الرئيس الروسى فلاديمير بوتين ونظيره الإيرانى مسعود بزشكيان على اتفاقية «شراكة استراتيجية شاملة» قبل أيام قليلة من تولى الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، منصبه، أثار العديد من التساؤلات حول دلالات هذه الشراكة وتوقيتها، خاصة أنها تجمع بين دولتين تعتبرهما واشنطن معاديتين لها.
وفقا لوسائل الإعلام العالمية، فإن معاهدة «الشراكة الاستراتيجية الشاملة»، التى تم توقيعها فى 17 يناير الحالى، خلال زيارة رسمية للرئيس الإيرانى إلى موسكو، تضمنت 47 مادة وتشمل جميع المجالات، بدءًا من العسكرية والأمنية والسياسية والتجارية والاقتصادية، وصولاً إلى العلمية والتعليمية والثقافية والإنسانية.
كما تنص الاتفاقية، التى تبلغ مدتها 20 عاما، على مبدأ عدم دعم أى من الطرفين للعدوان ضد الآخر أو السماح باستخدام أراضيه كقواعد للعدوان، غير أن الاتفاقية لم تشمل أى بند يتعلق بالدفاع المتبادل بين البلدين، على غرار ما تضمنته معاهدة روسيا مع كوريا الشمالية .
وعلى الرغم من نفى المتحدث باسم الكرملين دميترى بيسكوف أى صلة بين التوقيع على المعاهدة وتنصيب ترامب، مؤكدا أن التوقيع كان مخططا له منذ فترة طويلة، إلا أن معظم التحليلات السياسية أجمعت على أن توقيت الاتفاقية يحمل رسالة إلى الإدارة الأمريكية الجديدة، مفادها أن روسيا و إيران تتجهان نحو تعزيز شراكتهما فى ظل محاولات واشنطن للحد من نفوذهما.
فى هذا السياق، ذكر تقرير تحليلى نشرته شبكة «سى إن إن»، إنه قبل ثلاثة أيام فقط من عودة الرئيس الأمريكى المنتخب دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وقعت روسيا و إيران أخيرا على «اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة»، والتى كانت قيد الإعداد لعدة أشهر، مضيفة أن هذه الخطوة تعيد تركيز الاهتمام على الشراكة التى شكلت ساحة المعركة فى أوكرانيا، والتى تظل ملتزمة بتحدى النظام الدولى الذى تقوده الولايات المتحدة - حتى مع وعد الإدارة الأمريكية الجديدة بمزيد من التداخل مع روسيا.
وأشارت «سى إن إن»، إلى أن الرئيس الروسى قام فى يوليو 2022، بعد خمسة أشهر من غزوه لأوكرانيا، بزيارة طهران، فى أول رحلة له بعد الحرب خارج الاتحاد السوفييتى السابق.
وتابعت الشبكة الإخبارية الأمريكية، أن التوجه إلى طهران أتى ثماره بالنسبة لموسكو، إذ إنه بفضل صفقة تم توقيعها بعد تلك الزيارة، تنتج روسيا الآن آلاف الطائرات الهجومية بدون طيار المصممة إيرانيًا من طراز شاهد، فى مصنع فى تتارستان، وقد شكلت هذه الطائرات بدون طيار العمود الفقرى لحرب موسكو الاستنزافية فى أوكرانيا.
ووفقا للولايات المتحدة، تسلمت موسكو، صواريخ باليستية إيرانية، وفى حين لم تظهر أى أدلة حتى الآن على نشرها، فإن هذه الأخبار وحدها أرسلت إشارة قوية إلى حلفاء أوكرانيا بأن بوتين على استعداد للتصعيد.
وتقول «سى إن إن»، إنه ليس واضحا ما تريده روسيا من إيران أكثر مما حصلت عليه حتى الآن، إلا أن مكاسب روسيا الأخيرة فى ساحة المعركة جاءت بتكلفة باهظة على قواتها لذا ففى حين أن المشاكل المتعلقة بالقوة البشرية لديها لا تقترب بأى حال من مستوى مشاكل أوكرانيا، إلا أنها قد تحتاج إلى المزيد من الجنود على الأرض.
لكن خبراء يشككون فى أن إيران قد تكون على نفس القدر من الاستعداد فى هذا الصدد، مثل كوريا الشمالية، التى نشرت حوالى 11 ألف جندى من قواتها فى منطقة كورسك الروسية، وفقاً للتقييمات الأوكرانية والغربية.
وقال نيكيتا سماجين، الخبير المستقل فى شئون روسيا وإيران، والذى عمل فى وسائل إعلام حكومية روسية فى طهران قبل حرب أوكرانيا، إن إيران «حتى عندما تخوض حروبها خارج حدودها، فهى لا تكون على استعداد للتضحية بجنودها ... وعندما نتحدث عن إيران وروسيا، فهناك خلفية كبيرة جدًا من عدم الثقة من الجانب الإيرانى تجاه روسيا»، مضيفا: «و روسيا قد تكون حذرة من أى اتفاق دفاعى متبادل، نظرا للتهديد الأكثر إلحاحا ل إيران من إسرائيل».
وترى «سى إن إن»، أن الاجتماع الأخير بين بوتين وبزشكيان قدم ل موسكو فرصة لتلميع صورتها الذاتية كقوة عظمى، ونقلت عن جان لوب سمعان، من المجلس الأطلسى، إن روسيا ترى هذه العلاقة «غير متكافئة، فهم لا يزالون يعتبرون أنفسهم الشريك الأكبر هنا، و إيران شريكا إقليميا».
على الجانب الآخر، تشعر إيران بشكل واضح بأنها أقل أمانًا. ويقول سماجين، إن إدارة بزشكيان كانت تتعجل لتوقيع هذه الاتفاقية مع روسيا وسط تهديدات متعددة لأمنها.
وأضاف: «إنهم خائفون من إدارة ترامب، وخائفون من إسرائيل، وخائفون بعد سقوط نظام الأسد، وانهيار حزب الله»، موضحا أن إيران تبحث عن الدعم.
من جانبه، يقول جون ألترمان، مدير مركز الشرق الأوسط بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وهو مركز أبحاث فى واشنطن، «أعتقد أن هذا مقصود جزئيًا كرسالة إلى إدارة ترامب بأن كل منا لديه خيارات، وأعتقد أن الإيرانيين يبحثون عن أدوات يمكنهم استخدامها مع الأمريكيين وهناك شعور بأن هذا يمنحهم شيئا للمساومة عليه أو للحديث عنه».
وبالنسبة لروسيا، فإن الاتفاقية الجديدة مع إيران - وهى الدولة التى قد تكون أقرب من أى وقت مضى إلى القدرة على إنتاج سلاح نووى- قد تكون جزئيًا بمثابة تلويح بالتصعيد أمام الإدارة الأمريكية الجديدة التى ترى أنها أقل التزامًا تجاه أوكرانيا.
فى السياق ذاته، أكد المفكر والباحث السياسى الروسى ألكسندر دوجين فى تقرير نشره موقع تليفزيون تسارجراد الروسى، أن توقيع الاتفاقية جاء فى توقيت مهم جدا وحساس، إذ تزامن وعودة ترامب إلى الرئاسة الأمريكية، وتوقيع اتفاقية وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) بعد حرب استمرت لشهور طويلة.
ورأى أن هذا التحالف سوف يساعد على ضمان ثبات ميزان القوى فى الشرق الأوسط، فعلى الرغم من أن روسيا ليست معادية لإسرائيل، فإنها ستلعب مستقبلا دور الضامن لأمن حلفائها، علما بأن إسرائيل تعتمد على الغرب خصوم روسيا.
وقدر دوجين، أن التحالف بين روسيا و إيران سيخلق أيضا توازنا مهما فى منطقة أوراسيا، وهى المنطقة التى تشمل جزءا كبيرا من القارة الأوروبية وآسيا.
وتابع، أن هذا التعاون بين دول الشمال مثل روسيا ودول الجنوب مثل إيران ودول أخرى فى منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، سيسهم فى تطوير روابط اقتصادية وسياسية وأمنية بين هذه المناطق.
من جهتها، قالت إذاعة «مونت كارلو الدولية»، فى تقرير على موقعها الإلكترونى، عن دلالات اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين روسيا وإيران، إن هذا اللقاء، الذى جاء قبل أيام قليلة من تنصيب الرئيس الأمريكى المنتخب دونالد ترامب، يعزز، كما أشار الخبراء، رؤية البلدين فى جعل «الولايات المتحدة ليس مجرد خصم، بل هدفا استراتيجيا فى سياسة كل منهما الخارجية»، إذ تبدو الولايات المتحدة كعامل مشترك يجمع بينهما.
ونقل الموقع عن الباحث اللبنانى- الفرنسى والأستاذ فى العلاقات السياسية الدولية بجامعة باريس، خطار أبو دياب، قوله: «بالنسبة للولايات المتحدة، يبدو أن موسكو وطهران تشتركان فى هاجس مشترك، وهو التعامل مع إدارة ترامب. لا يسعى أى من الطرفين لاستفزاز ترامب، بل قد ينتظران ترتيب صفقة معينة معه. الأولوية لكل طرف هى حماية مصالحه الأساسية: روسيا تركز على أوكرانيا، و إيران تسعى للحفاظ على نظامها وبرنامجها النووى».