الشعبوية مصطلح يتردد حاليًا بكثرة على لسان مراقبين حول المشهد السياسى الدولى وخاصة فى الولايات المتحدة الأمريكية، وتصف وزارة الخارجية الروسية تصريحات ترامب بأنها حجج شعبوية سخيفة، وذلك بشأن تهجير سكان غزة وإعادة توطينهم فى دول أخرى، ويطنطن بتحويل غزة إلى ريفييرا الشرق الأوسط، وعلّقت ماريا زاخاروف المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية على التصريحات الترامبية بأنها لا تساهم فى حل المشكلة، وإنما تؤجج القلق والتوترات فى المنطقة.
والخطاب الشعبوى عباراته تدغدغ المشاعر، ويتناول القضايا المعقدة بمنتهى البساطة، ويتخذه بعض السياسيين نهجًا فى حياتهم العامة مثل الرئيس الأمريكى ترامب رغبة منهم فى كسب دعم شعبى، ولديهم اعتقاد أنهم ممثلو المواطنين البسطاء، وفى عام 2016 كتب دونالد ترامب مقالا فى صحيفة "وول ستريت جورنال"، وأوضح فيه أن فرض الإرادة الشعبية فى القضايا الرئيسية للبلاد هى الترياق الوحيد لعلاج الآثار الناتجة عن عقود من حكم مدمر على يد فئة من النخبة.
وظهر مصطلح الشعبوية فى منتصف القرن التاسع عشر، وكان متداولا أثناء الاحتجاجات الاشتراكية للمزارعين من أجل تحرير الفلاحين الروس فى عام 1870، وتزامنا معها اشتعلت المعارضة فى الريف الأمريكى ضد البنوك وشركات السكك الحديدية، والشعبوية فكرة تقدس القاعدة العريضة من الشعب وترفض النخب، وانطفأت الفكرة الشعبوية فترة من الزمن.
ثم عادت إلى الساحة السياسية من جديد فى عام 2016، وبدأت خلال الاستفتاء البريطانى للخروج من الاتحاد الأوروبى، واستخدمها ترامب فى فترة رئاسته الأولى، ويدق ناقوس الخطر مؤيدو الديمقراطية فى الدول الغربية من تصاعد الحركات الشعبوية، ويساورهم القلق من آثار الشعبوية والانزلاق إلى الكراهية والتطرف، ويتبنى حاليًا مجموعة من الغوغائيين هذا المفهوم، وتطمع إلى السيطرة على الحكم ووضع الخطط الاستراتيجية.
وشعبويات ترامب تناقض نفسها، بمعنى تحمل التعهد وعكسه، وعلى سبيل المثال يخاطب ترامب مواطنى أمريكا فى حملته الانتخابية بمحاربته للتعدد الجنسى، وإذا بنا نعثر على إثنين من الشواذ فى فريقه الرئاسى، وهذا ما أشارت إليه الكاتبة الأمريكية "إليزابيث زيروفسكى" فى مقالها بصحيفة نيويورك تايمز، وهما وزير الخزانة "سكوت بيسنت" والمبعوث الرئاسى للمهام الخاصة "ريتشارد جرينين"، ويبدو أن ترامب لا يعنيه حكاية التعدد الجنسى، وإنما وفقًا لإيمانه بمفهوم الشعبوية استغل استياء بعض مواطنى أمريكا من تحكم الحركات النسوية والشواذ جنسيًا على الإعلام وعلى العقل الجمعى، وبمعنى آخر ركب موجة استياء مجموعة من الناس خشية انهيار المجتمع الأمريكى، وهو ما أفصحت عنه الكاتبة زيروفسكي.