في عيد الأم.. الأمهات في عيون المصريين القدماء "رمز القداسة ومصدر القوة"

في عيد الأم.. الأمهات في عيون المصريين القدماء "رمز القداسة ومصدر القوة"في عيد الأم.. الأمهات في عيون المصريين القدماء رمز القداسة ومصدر القوة

«ضاعف الطعام الذي قدمته لكَ أمك، واحملها كما حملتك عندما كنت عبئًا ثقيلًا».. هذا جزء من نص الكاتب «آني»، أحد أبرز كُتّاب مصر القديمة، عن الأم، لتعليم الأبناء أصول التعامل مع أمهاتهم، تقديرًا لدورهن العظيم في تربية وتنشئة الأجيال.

ولم يقتصر تقدير الأم في مصر القديمة على الكاتب آني فقط، بل حظيت الأم بمكانة رفيعة عند المصريين القدماء جميعًا، حيث شاركت في مختلف مناحي الحياة، الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، وحتى الحروب التحريرية، وحصلت على النياشين العسكرية، كما أن لقب «أول جنرال أم في تاريخ البشرية» كان من نصيب الملكة «إيعاح حتب»، إحدى ملكات الأسرة السابعة عشرة.

تزامنًا مع عيد الأم، دفعتنا هذه المناسبة إلى إبراز مكانة ودور الأم في مصر القديمة، وتحدث الدكتور بسام الشماع، المؤرخ وعضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية والجغرافية، لـ«بوابة دار المعارف»، قائلًا: حظِيت الأم بمكانة عظيمة في المجتمع المصري القديم، ليس فقط على المستوى البشري، ولكن أيضًا في الطقوس الدينية، حيث ظهرت شخصيات بارزة جسّدت دور الأم والزوجة المخلصة على أكمل وجه، مثل الإلهة «إيست» التي أطلق عليها فيما بعد اسم «إيزيس».

إيزيس وحورس.. مرآة للتضحية والقوة

وأوضح "الشماع" أن إيزيس تُعدّ أشهر أم في العقيدة الدينية بمصر القديمة، فقد كانت مثالًا للمرأة المكلومة التي فقدت زوجها، وعاشت على ذكراه، وكرّست حياتها وقوتها السحرية لتحوّل نفسها إلى طائر جارح بأجنحة عظيمة؛ لحماية ابنها الصغير «حر»، حتى يكبر في أحراش الدلتا تحت رعايتها، تمامًا كأنثى النسر، ليتمكن لاحقًا من الانتقام من «عمه» قاتل أبيه، طبقًا للأسطورة الدينية المصرية القديمة، وعُرف فيما بعد باسم «حورس»، وبالفعل، أصبح مرآة للقوة والعدل بفضل أمهِ «إيزيس».

وأضاف "الشماع": هناك رمز آخر للأمومة، وهي الإلهة حوت حر «حتحور»، زوجة حورس، والتي كانت رمزًا للجمال والغناء والحب، ولُقبت بـ«نبت مفكات»، وتعني سيدة التركواز أو الفيروز، إذ كانت ملكة أرض الفيروز، وهي حاليًا شبه جزيرة سيناء، وهذا يثبت أحقية مصر في سيناء، فهُنا ندرك أن التاريخ ليس مجرد قصص تُروى، بل هو سلاحٌ يُستخدم في إثبات الحقوق.

نفرت إيتي الأم

وتابع "الشماع": من أبرز رموز الأمومة في مصر القديمة أيضًا الملكة نفرت إيتي «نفرتيتي»، التي لعبت دورًا هامًا ومؤثرًا في حكم مصر، لكنها قبل كل شيء كانت زوجة وأمًّا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فقد كانت زوجة «الملك آخناتون»، وأنجبت منه ست بنات، وتميّزت هذه العائلة بالحب والحنان."

واستكمل "الشماع" هناك العديد من النقوش التي تعود إلى 3300 عام، تُظهِر الملك والملكة وهما يحملان بناتهما، ويدلّلانهن، ويداعبهن، مثل أي أبوين محبّين، وهذا يدل على أن التربع على عرش مصر لم يكن يغني عن الاهتمامِ بالأسرة، بل على العكس، كان تقديس الأسرة واحترام الأم قيمة أساسية لدى جميع طبقات المجتمع في مصر القديمة.

وأشار "الشماع" إلى أن هناك العديد من النصوص التي كُتبت عن الأم في مصر القديمة، ومن بينها نص الكاتب «آني»، الذي كان ينتمي إلى قصر الملك أيعاح مس وزوجته نفرت إيري «أحمس ونفرتاري» وقد ورد هذا النص في كتاب «نصوص مقدسة ونصوص دنيوية من مصر القديمة»، لعالمة الآثار الفرنسية كلير لالويت.

وصايا الأجداد

جاء نص «آني»، كما يلي: «ضاعف الطعام الذي قدمته لكَ أمك، واحملها كما حملتك عندما كنت عبئًا ثقيلًا عليها، لكنها لم تتخلَّ عنك، عندما وُلدت، بقيت لشهورٍ طويلةٍ ملتصقًا بها، وظل صدرها في فمك ثلاث سنوات، وبينما كنت تكبر، كانت فضلاتك تثير الاشمئزاز، لكن قلبها لم يأنف منك، وكانت تقول: "ماذا أفعل أيضًا؟" وعندما ألحقتك بالمدرسة لتتعلم الكتابة، كانت تسهر بجوارك، تحمل خبز وجيعة دارها إليك.. فاتخذ لكَ زوجة وأنت لا تزال في ريعانِ الشباب، وأسس أسرة، واسهر على تنشئةِ أولادك مثلما فعلت أمكَ من أجلك "ولا تعمل على أن تجعلها توجه لكَ اللوم"، ولا تضطرها إلى رفع يديها بالدعاء عليك، فقد يستجيب المعبود لصياحتها!»

أول جنرال أم في التاريخ

ولفت "الشماع" خلال حديثه لـ«دار المعارف» إلى أن أفضل من كتب عن الأم هو الملك إيعاح حمس «أحمس»، الذي كتب عن أمهِ الملكة إياح حتب، التي تُعدّ أعظم أم في تاريخ مصر القديم، فقد كانت زوجة الملك سقنن رع تاعا الثاني، الذي قُتل في سبيل تحرير مصر من احتلال الهكسوس، لكنها لم تستسلم، بل لعبت دورًا محوريًا في إنقاذ مصر من السقوط، وأصبحت «أول جنرال أم في التاريخ»، وحصلت على نيشان عسكري ذهبي من ابنها الملك أحمس، تقديرًا لدورها العسكري في قيادة حروب التحرير ضد الهكسوس، وحملت العديد من الألقاب المرموقة، منها: "الابنة الملكية العظيمة"، و"أخت الحاكم"، و"الزوجة الملكية العظيمة"، و"الأم الملكية الكريمة".

وجاء نص الملك أحمس عنها، وفقًا لكتاب «الأوسمة العسكرية الملكية في مصر الفرعونية» للمؤرخ الدكتور عبدالله عبدالرازق عبدالحميد، كما يلي: «أثنوا على سيدة البلاد وملكة شواطئ المناطق النائية، إن اسمها يرفرف على كافة البلاد الجبلية، وهي التي تتخذ القرارات الخاصة بشعبها، إنها زوجة الملك وأخت الملك، فليمتعها المعبود بالحياة والصحة والقوة، إنها ابنة ملك وأم الملك المبجلة، وهي على دراية بكل شؤون مصر، وجمعت بين النبلاء ووحّدتهم، وأعادت الفارين، وجمعت المنشقين، وجعلت السلام يسود مصر العليا، وضحّرت المتردّين.. إياح حتب، زوجة الملك، فلتتمتع بالحياة!».

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان