كنت ألبى دعوة إفطار لشقيقة زوجي، التى دعتنا وجميع إخوتها (أشقاء زوجي) لمائدة جماعية فى أول أيام الشهر الكريم، فقد تعهدت بشكل غير مٌعلن بتلك الدعوة منذ 5 سنوات بعد رحيل والدتها التى كنا نجتمع على مائدتها.
كنت أحرص على الحضور لمنزل شقيقة زوجى "كوثر"، منذ الصباح لمساعدتها فى إعداد الطعام، وتهيئة المنزل معها لاستقبال هذا العدد الكبير من الضيوف، وانهمكت معها طوال اليوم، فى إعداد أطباق الطعام من محاشى وصوانى وحلويات ومشروبات رمضانية وخشاف.
أجواء مُبهجة
كانت أجواء المنزل مُبهجة، الأطفال تجرى فى كل مكان، وأصوات أغانى رمضان تصدح وتأتينا، حيث نقف فى المطبخ، و"كوثر" تسألنى بين الحين والآخر عن الساعة، فقد كانت كالعادة تعتقد أننا لن نستطيع إنجاز كل شيء قبل آذان المغرب.
قبل موعد الإفطار بأقل من ساعة، كنا انتهينا تماما من إعداد كل شيء، وجهزنا المائدة وأماكن جلوس الحضور، وبدأت أسر المدعوين فى التوافد.
طبق الجارة
بعد الانتهاء من الإفطار، ورفع المائدة وترتيب المطبخ، وخروج الرجال إلى المسجد لأداء صلاة العشاء والتراويح، بقينا نحن النساء فى المنزل مع الصغار نتسامر، ونستعيد الذكريات، قبل أن يدق جرس الباب ويسرع أحد الأطفال لفتحه لتدخل إحدى السيدات وهى تحمل بين يديها طبقا مُغطى بفوطة بيضاء ناصعة.
قامت كوثر لاستقبال الضيفة وهى ترحب بها بصوت عالى وتدعوها للدخول، بدا على الضيفة الخجل فقد اصطبغت وجنتاها البيض باللون الأحمر، وهى تتمتم بكلمات اعتذار غير مسموعة بعد أن فوجئت بضيوف المنزل، حاولت الضيفة الاعتذار وهى تناول صاحبة المنزل الطبق.
كنافة سورية
كان الطبق به قطع من الكنافة بأشكال مختلفة، عندما كشفته "كوثر" وهى توجه لضيفتها سيل من كلمات الثناء والشكر، وتدعوها للجلوس وتناول القهوة معنا.
وبالفعل استجابت "زهرة"، كما عرفتنا "كوثر" باسمها، وراحت تشير لها بأسمائنا ونحن نسلم عليها ونرحب بها، وتخبرنا أن ضيفتها سورية الجنسية، وانتقلت للعيش إلى جوارهم قبل بضعة أشهر.
طقوس متشابهة
وعرفنا من زهرة أنها تقيم فى مصر منذ عام 2012 عندما تفاقمت الأوضاع السياسية فى بلدها واضطر عدد كبير من أفراد عائلتها للنزوح عن بلادهم إلى عدة دول منهم من ذهب إلى لبنان، ومنهم من ذهب للخليج وأوروبا، حيث كان يعمل بعض أفراد عائلاتهم، لكن عدد كبير جاء إلى مصر واستقر فيها، ومنها عائلة زوجها.
وسألنا زهرة عن مدى تأقلمها مع الحياة فى مصر، وهل اختلفت طقوسها فى رمضان عن نظيرتها فى سوريا، فقالت: إن الأجواء الرمضانية والعادات تتشابه فى البلدين، لكنها فى مصر أكثر بهجة، من وجهة نظرها فى الروحانيات، وأشكال الزينة والأنوار و تجمع المصلين للتراويح، و تبادل الأطعمة بين الجيران وموائد الرحمن التى تتواجد فقط فى بعض الميادين وبجوار بعض المساجد فى سوريا خاصة حمص التى تنتمى إليها.
ليلة الرؤية
وأشارت إلى أن طقوس رمضان، حيث عاشت وتربت فى حمص كانت تبدأ منذ ليلة رؤية هلال رمضان، والمسحراتي، ومدفع الإفطار والسحور، الذى كان يعد أهم تقليدا متوارثا، فضلا عن المأكولات والمشروبات الرمضانية، وارتياد المقاهى الشعبية بعد الإفطار، والاجتماعات الأسرية، ونبض الأسواق حتى ساعات متأخرة من الليل قبل عيد الفطر.
واستطردت: " لكن من أكثر العادات المعروفة فى شهر رمضان فى سوريا، ما يٌعرف بـ "سكبة رمضان"، وهى أطباق من الطعام التى أعددناها لتناولها على الإفطار، مع الجيران والأقربون، تفاؤلا بقدوم الشهر الكريم، مثل ال شاكرية التى تعد من أطيب الأطباق فى سوريا، والشيش برك، والكبة بأنواعها، والمقلوبة، والكبسة، والفتة، والمكدوس".
أبرز الأطباق
وسألتها عن الأطباق السورية التى تجيد صناعتها، فأجابت: "الشاكرية، وهى من أبرز أنواع الأطباق السورية، وتتكون من "شقف اللحم" أى قطع اللحم البقرى المجفف المغمور فى اللبن الزبادي، وتتبل بـ "اللورا" والمستكة والحبهان، ويضاف لها النشا والماء وبيضة، وبعض "النعنع المفروم" - النعناع –".
وأضافت: "هناك أيضا، المكدوس وهو من الأكلات السورية المعروفة من مئات السنين، أساسها الباذنجان الرومي، وهو بالنسبة للسوريين "بيت المونة"، حيث يقومون بسلقه بعد حصاده فى الخريف فى موسمه بداية من شهر سبتمبر، ولمدة شهرين، ووضعه فى زيت الزيتون السورى وحفظه بالثلاجات وعند الحاجة إليه يضيفون إليه عين الجمل والجوز والفلفل الأحمر كمكون أساسى فى طريقة إعداده".
وتابعت: "أما فتة المكدوس، فتصنع من اللحم واللبن والطحينة والبصل والثوم ودبس الرمان والطماطم وزيت الذرة والصنوبر والخبز والفلفل".
عصائر وحلويات
وأكدت زهرة، أن العصائر الطبيعية والرمضانية، مثل منقوع قمر الدين والتمر الهندي، والعرقسوس والتوت الشامي، وأيضا الحلويات خاصة الكنافة والمشبك، والتمرية والعوامات من المكونات الرئيسية للمائدة السورية فى رمضان.
وأشارت إلى أن حلاوة الجبن من أهم أنواع الحلويات فى سوريا، وتٌصنع من الجبنة والمياه والسميد والسكر والقشطة، وتعتبر غذاء كاملاً خلال الشهر المبارك وهى حلوة خفيفة وتناسب جميع طبقات المجتمع، موضحة أن "خُبزة رمضان"، من الأطعمة التراثية المعروفة فى سوريا خاصة حمص فى شهر رمضان.