ذهبتُ إلى فيلم سيكو سيكو ، الذي كتبه محمد الدبّاح وأخرجه عمر المهندس، من دون توقعات كبيرة، بل ربما كنت أقرب إلى توقّع استقبال عمل عادي وتقليدي تماما، كأحد أفلام العيد، التي تمر سريعا، تقدّم التسلية العابرة، وتجمع العيدية، وتقدّم الثنائي عصام عمر وطه دسوقي، وهما ممثلان واعدان وموهوبان، في بطولة سينمائية مشتركة من دون مخاطرة كبيرة، وفي عمل قليل التكاليف، كاختبار مبدئي، وفي منطقة الافيهات الآمنة.
ولكن الفيلم أدهشني شكلا ومضمونا، فهو عمل كوميدي جيد جدا، يقدم عصام وطه فى دورين متميزين ، يضحكنا فى مشاهد كثيرة، من خلال مواقف كتبت بعناية، وعبر الدراما والأحداث، وليس قفزا فوقها، ويمتلك أيضا فكرة مهمة، وسؤالا أساسيا هو: إلى أى مدى يمكن أن نتنازل فى سبيل المال والطموح بالثراء؟ وإلى أى مدى يمكن أن تأخذنا لعبة المال والطموح إلى دائرة التورط والسقوط؟
بالإضافة إلى ذلك، يقدّم الفيلم مخرجا جيدا هو عمر المهندس، يعرف متطلبات الكوميديا السينمائية، ويصنع مع المونتير كمال الملاخ ايقاعا حيويا للغاية، يتسق مع حيوية بطليه، ومع التحولات والانقلابات الدرامية، التى تستمر معنا حتى اللحظات الأخيرة للفيلم، وإن كانت لى ملاحظة حول مضمون النهاية، لا تقلل من شأن النتيجة النهائية، وهى أننا أمام فيلم من أفضل أفلام العام الكوميدية، ربما يكون سر تفوقه اعتماده أولا على الكتابة، بدلا من الاعتماد على افيهات النجوم التقليدية، والتأسيس الجيد للشخصيات والمواقف، وإتقان الحبكة منذ البداية، وحتى النهاية.
لنبدأ التحليل من العنوان، الذى يستخدم كلمة دارجة فى المصطلحات الشبابية، وهى كلمة "سيكو سيكو"، والتى تستخدم بمعان كثيرة، ترتبط بأشياء غير شرعية أو قانونية أو محرمة، لا يجب التصريح بها، وبالتالى يأتى المصطلح ترجمة للتواطؤ عليها بين طرفين يعرفان معناها، أى أنها تعطى أيضا معنى "العيب أو غير القانونى اللى بالى بالك"، وهذا بالضبط معناها فى الفيلم، الذى يشير إلى ممارسة غير قانونية محددة هى التجارة فى المخدرات.
لكن محمد الدباح (من أبرز أعماله السابقة المشاركة فى كتابة الفيلم الناجح " بيت الروبي")، يؤسس أولا لشخصية بطليه يحيى (عصام عمر)، وهو شخصية حادة وقيادية، يعمل فى شركة للشحن، وابن عمه سليم (طه دسوقي) خريج الفنون الجميلة، الذى يعمل فى مجال تصميم الألعاب الإلكترونية، ويرتبط بخطوبة فتاة تحبه (ديانا هشام)، سنعرف فيما بعد أنها ابنة لواء فى مكافحة المخدرات ( باسم سمرة فى دور مميز جدا)، كما يؤسس السيناريو للحدث المحوري، وهو موت عم البطلين، وتركه ثروة تقدر بـ ١٥ مليون جنيه لهما، وستبنى الأحداث والحبكة كلها على هذا الحدث، لأن البطلين سيكتشفان أن عمهما ترك الثروة فى شكل شحنة مخدرات، وليس فى شكل نقود.
هنا يصبح السؤال حول مدى قبول الطرفين للتورط فى تصريف هذه "البضاعة"، ودخول هذا العالم الخطير فى سبيل المال والطموح بالثراء، بدلا من العودة إلى المعافرة والعمل من جديد؟
ومع حسمهما لدخول عالم المخدرات، تتفجر المفارقات والضحكات والمهازل فى كل الاتجاهات، وينجح السيناريو فى تطوير الفكرة، ودفع الأحداث إلى الأمام، بتقسيم السرد إلى عدة فصول لها عناوين، وبالاستفادة الذكية، من العلاقة السيئة أصلا بين ابنى العم منذ الطفولة، والتناقض الكامل فى شخصيتهما، كما يستفيد المؤلف من حصاد ما أسس له جيدا، عندما تتطور الأمور إلى تكوين فريق لتعريف وبيع البضاعة، من خلال لعبة إلكترونية يطلقون عليها اسم "سيكو سيكو"، وكان البطلان قد أطلقا على شحنة مخدرات العم نفس الاسم، وهكذا يتم توظيف المصطلح الشعبى أيضا فى خدمة الدراما.
تخرج الضحكات من خلال كل هذه التناقضات، سواء من خلال شخصيات تجار مخدرات مثل شخصية التاكس الديلر (على صبحي)، أو أبو غالى (محمود عزب) التاجر الأكبر، أو رجل شرس يلعب دوره ببراعة أحمد عبد الحميد، أو التاجر الكبير جدا حاتم حرفوش ( خالد الصاوي)، كما تخرج الضحكات من مفارقة تحويل شركة الشحن التى تملكها تارا عماد إلى مقر لفريق لعبة تصريف المخدرات إلكترونيا، خلال فترة العمل المسائية.
يضاف إلى ذلك، اكتشاف لواء المخدرات أن سليم، زوج ابنته القادم، يتعامل مع أكبر تاجر مخدرات، ويحاول اللواء بدوره أن يستغل ذلك، بالايقاع بشبكة المخدرات كلها، فى الوقت الذى يصبح فيه سليم أمام اختيار صعب، فإما التضحية بابن عمه يحيى، بعد أن تقاربا عاطفيا، أو التضحية بنفسه.
بناء محكم للغاية، كتب بدون ترهل أو استطراد، وبتطوير ممتاز للفكرة، مع انقلابات درامية فى مكانها، وصولا إلى عقاب البطلين، ثم مفاجأة النهاية، التى أراها ملتبسة، فمعرفة أن العم تاجر مخدرات، تجعل البطلين متورطين من جديد، فى قبول سيكو سيكو غير شرعي، بصرف النظر عن كونه بضاعة أو أموال سائلة، أى أن النهاية تعيدنا من جديد إلى الوقوع فى المعضلة الأخلاقية، التى انتهت بالعقاب فى مشاهد ما قبل النهاية !
هنا مأزق حقيقى كان يجب الانتباه إليه، وحلّه بطريقة ما، رغم براعة مفاجأة النهاية، ولكننا عموما أمام فيلم كوميدى متماسك، فيه تفاصيل ودراما جيدة، وهو أمر غير مألوف فى معظم ما نشاهد من أعمال كوميدية، رغم أن هذه القواعد الدرامية فى حكم البداهة.
الأهم أن الفيلم انطلاقة حقيقية لموهبة الثنائى الرائع عصام عمر وطه دسوقي، كانا مناسبين فى دوريهما، وقدما المشاهد الكوميدية والجادة ببراعة، وبحضور فائق، وأظنهما سيكونان من نجوم المستقبل فى السينما المصرية.
مكسب آخر هو محمد الدباح كاتبا، وعمر المهندس مخرجا، ليتهما يستمران فى التعاون معا فى مجال الكوميديا بالذات، وإن كانت لى ملاحظة على إضاءة المشاهد الليلية فى الفيلم، التى بدت معتمة قليلا، بما لا يناسب دراما كوميدية مرحة بالدرجة الأولى.
مرة أخرى، فى الكوميديا وفى كل أنواع الدراما، لابد أولا من الكتابة الجيدة، ومهما كانت أهمية النجم وقدراته وإفيهاته، فلا بد من وجود دراما وشخصيات وحبكة متقنة، وفيلم سيكو سيكو" هو الدليل العملى على كل ذلك.