لم يعد قرار الإنجاب في مصر أمرًا مسلّمًا به كما كان في السابق، بل أصبح موضع تساؤل ونقاش واسع، خصوصًا بين الأجيال الشابة التي تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة. تصاعد هذا النقاش مؤخرًا بعد إعلان الفنان محمد خميس قراره بعدم الإنجاب بشكل قاطع، وهو ما سلط الضوء على ظاهرة اللاإنجابية التي باتت تفرض نفسها على الساحة، في ظل انخفاض غير مسبوق في معدلات المواليد وتغيرات جذرية في البنية الفكرية والثقافية للمجتمع. وفي هذا الإطار، يطرح الدكتور أيمن زهري، خبير السكان ودراسات الهجرة، رؤيته المتعمقة حول الظاهرة، موضحًا أبعادها المتعددة ودلالاتها الاجتماعية والديموغرافية.
قال الدكتور أيمن زهري، خبير السكان ودراسات الهجرة، إن ظاهرة "اللاإنجابية" باتت تثير جدلًا متزايدًا داخل المجتمع المصري، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، وتراجع معدلات المواليد إلى أقل من مليوني مولود عام 2024 لأول مرة منذ عام 2014. وأضاف أن هذا التراجع لا يمكن فصله عن النقاشات المتزايدة حول قرار بعض الأفراد بعدم الإنجاب، وهو ما يعكس تحولات اجتماعية وفكرية عميقة.
وأشار زهري إلى أن مفهوم اللاإنجابية، والذي يعني الامتناع الطوعي عن إنجاب الأطفال، لا يرتبط فقط باعتبارات شخصية أو فردية، بل ينطوي على أبعاد اجتماعية واقتصادية وفلسفية متداخلة. وأوضح أن من بين أبرز الدوافع وراء هذا القرار ما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية الضاغطة، حيث لم يعد من السهل على العديد من الأسر، خاصة الشباب، تحمل نفقات تربية الأطفال في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع مستوى الدخل.
وأضاف أن الأسباب الاجتماعية تلعب دورًا كبيرًا في تعزيز هذا التوجه، إذ بدأت مفاهيم تقليدية كالأسرة و الإنجاب تواجه مراجعة وانتقادات من قبل شريحة من الشباب الذين تأثروا بالتحولات الثقافية الحديثة، وصعود الفكر الليبرالي، ما دفعهم إلى اتخاذ مواقف مغايرة لما اعتادت عليه الأجيال السابقة.
وأشار أيضًا إلى أن إعلان الفنان محمد خميس عن قراره بعدم الإنجاب يعد نموذجًا صريحًا لهذه الموجة، وهو ما فتح الباب أمام جدل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة أن هذا التصريح جاء من شخصية عامة معروفة، الأمر الذي جعله مثارًا للاهتمام والنقاش.
ولفت زهري إلى أن بعض الأفراد يتخذون قرار اللاإنجابية انطلاقًا من أسباب فلسفية أعمق، إذ يرون أن العالم لم يعد بيئة آمنة أو مناسبة لتربية الأطفال في ظل الأزمات المناخية، وتصاعد الحروب والنزاعات، بالإضافة إلى الاضطرابات الاقتصادية والسياسية المتكررة. وأضاف أن هناك فئة من الشباب ترى في هذا القرار شكلًا من أشكال الرفض الصامت للواقع، بل وقد يعد تعبيرًا عن الرغبة في إعادة النظر في فرصهم ودورهم في المجتمع.
وأكد زهري أنه رغم أن اللاإنجابية لم تصل بعد إلى مستوى الظاهرة العامة في مصر، إلا أن مؤشرات عديدة تدل على تزايد عدد الأفراد الذين يتبنون هذا التوجه، خاصة في الطبقات المتوسطة والمتعلمة. وأضاف أن غياب الدراسات العلمية الرسمية حول حجم الظاهرة لا يعني عدم وجودها، بل إن النقاشات المتزايدة على منصات التواصل الاجتماعي تعتبر مؤشرًا أوليًا على انتشارها النسبي.
وأشار إلى أن تداعيات اللاإنجابية لا تقتصر على الجانب الاجتماعي فقط، بل تمتد إلى البعد الديموغرافي، موضحًا أنه إذا استمر هذا الاتجاه في النمو، فقد يشهد معدل الخصوبة في مصر انخفاضًا متسارعًا، وهو ما قد يؤدي على المدى الطويل إلى تغييرات كبيرة في التوزيع العمري والسكاني، رغم أن البلاد ما زالت تتمتع بتركيبة سكانية فتيّة نسبيًا.
واختتم الدكتور أيمن زهري حديثه بالتأكيد على أن اللاإنجابية لم تعد مجرد موقف فردي معزول، بل باتت تعبيرًا عن تحولات فكرية وثقافية داخل المجتمع المصري، تستحق الدراسة والتحليل. وأضاف أن هناك حاجة ملحة لأن تتناول مراكز البحوث والجامعات هذه الظاهرة في أبحاث علمية رصينة، يمكن من خلالها فهم أعمق للدوافع والآثار المترتبة على هذا التوجه الجديد، مقترحًا أن تكون موضوعًا مناسبًا لرسائل الماجستير والدكتوراة في الجامعات المصرية.