«سفيرة» من دار أيتام ..نهلة النمر تحكي رحلتها من الألم إلى التأثير

«سفيرة» من دار أيتام ..نهلة النمر تحكي رحلتها من الألم إلى التأثيرنهلة النمر

بين جدران إحدى دور الأيتام ، نشأت هذه الفتاة اليتيمة التى لم تتوقع يوما أن تكون صوتا لآلاف الصامتين.. نهلة النمر ، أول سفيرة للمراقبة المجتمعية على دور الرعاية بمصر، وواحدة من النماذج الملهمة التى حوّلت الألم الشخصى إلى قوة تغيير اجتماعي.. ما يعكس دورها النشط فى صياغة السياسات والمبادرات التى تهدف إلى تحسين أنظمة الرعاية والدعم للشباب الأيتام فى مصر..

بدأت رحلتها كمنسقة للمتطوعين، ثم تطورت إلى عضو فى فريق التقييم المؤسسي، ومن ثم قائدة لفريق التقييم، والآن تعمل كأخصائية أولى لبرامج الشباب، ومدربة معتمدة فى مركز أمان للتعلم والتطوير بجمعية سند.

أثناء الحوار معها، كشفت نهلة تفاصيل رحلتها غير العادية، والتحديات التى واجهتها، ورؤيتها لمستقبل الأيتام فى مصر ..

بداية، كيف تقدمين نفسك للقراء؟

نهلة النمر، فتاة نشأت فى دار أيتام منذ كان عمرى عامين، وعشت فيها 23 سنة، اليوم أعمل كسفيرة للمراقبة المجتمعية ب دور الرعاية فى وزارة التضامن الاجتماعي، وأخصائى أول الرعاية اللاحقة فى جمعية سند للرعاية البديلة. عضو فى فريق جمعية سند ، وعضو الجمعية العمومية للجمعية منذ 12 عاما، وأشغل حاليا عضوية اللجنة الدائمة لرعاية الأيتام «لجنة أبناء مصر» التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي، وأسعى بكل طاقتى لتغيير نظرة المجتمع للأيتام وضمان حقوقهم الكاملة.

ما الذى تتذكرينه عن سنوات الطفولة فى دار الأيتام؟

الطفولة هناك كانت مليئة بالتحديات، تعرضت للتنمر والتمييز بسبب لون بشرتي، وكنا نشعر بأننا مختلفون دوما عن أطفال العالم الخارجي، لكننى تعلمت أن أقاوم، أن أتمسك بحقى فى التعليم والكرامة، وأن أكون صوتا لمن لا صوت له.

هل واجهتِ صعوبات فى استكمال تعليمك؟

نعم، كانت هناك مقاومة شديدة عندما قررت استكمال دراستى فى الثانوية العامة، لأن الدار لم تكن معتادة على دعم التعليم العالى للفتيات، لكنى تمسكت بحلمي، ونجحت، ثم التحقت بكلية الخدمة الاجتماعية، وتخرجت منها، لأبدأ مشوارى المهنى والإنساني.

كيف جاء ترشيحك لتصبحى أول سفيرة للمراقبة المجتمعية؟

بعد سنوات من العمل الميدانى فى تقييم أداء دور الأيتام من خلال جمعية «وطنية»، اقترحت وزارة التضامن إنشاء آلية للمراقبة المجتمعية من داخل الفئة نفسها – أى من أبناء الدور – وتم اختيارى لأكون أول سفيرة لهذا الدور، كانت لحظة فارقة فى حياتي، لأنها اعتراف بأن أبناء دور الرعاية ليسوا فقط مستهلكين للخدمة، بل قادرين على قيادتها.

ما المهام الأساسية التى تقومين بها كسفيرة للمراقبة المجتمعية؟

أنا جزء من منظومة رقابية مدنية بالتعاون مع الوزارة، نقوم بزيارات ميدانية ل دور الرعاية على مستوى الجمهورية، نرصد أوضاع الأطفال، نستمع لشكواهم، نراقب جودة الرعاية، ونقدم تقارير تساعد فى تحسين السياسات والخدمات المقدمة لهم.

من واقع خبرتك، ما أبرز المشكلات التى تواجه أبناء دور الرعاية؟

أولا: النظرة المجتمعية السلبية، حيث يوصم اليتيم تلقائيا، وهذه وصمة لا ذنب له فيها.
ثانيا: نقص التأهيل النفسى والاجتماعى داخل الدور، ما يؤدى لصعوبات فى الاندماج بعد سن الخروج.
ثالثا: ضعف التمكين الاقتصادى والمهني، فالكثير من الأبناء يخرجون من الدور دون خطة واضحة لحياتهم.

ما أهم المبادرات التى شاركتِ فيها لتغيير هذه الأوضاع؟

شاركت فى مبادرة «أنا إنسان»، وكنت ضمن حملة تدريب المراقبين المجتمعين من أبناء الدور، وشاركت فى عدة فعاليات توعوية مثل «تيدكس» ومنصة «هى عربية»، وأدير حاليا جلسات توجيه نفسى لأبناء الرعاية السابقين.

هل قابلت نماذج ملهمة من أبناء الدور غيرك؟

بالطبع، هناك شباب وفتيات كثيرون تجاوزوا الألم ليحققوا نجاحات رائعة، المشكلة ليست فى أبناء الدور، بل فى البيئة التى تحاصرهم حين تتوفر الفرص والدعم، تظهر المواهب والقيادة.
ما الذى تطالبين به تحديدا؟
أطالب بإنشاء مقر دائم للرعاية اللاحقة، بحيث تتم فيه استضافة الشباب الذين خرجوا من الدور، حتى يتمكنوا من الوقوف على أقدامهم، هؤلاء ليسوا أرقاما فى دفاتر، إنهم بشر يحتاجون إلى من يرعاهم حتى تكتمل ملامحهم النفسية والاجتماعية.

وماذا عن الأسر البديلة؟ هل هناك تقصير فى تأهيلها؟

جداً. صديقتى قالت لي: «تصدقى أعرف أسرة رجعت الطفل اللى كفلته للدار؟» سألتها: «ليه؟»، قالت: «عشان طلع شقي!» هل الطفل بضاعة نرجعها للمصنع؟ هو إنسان من لحم ودم، يتأثر بكل كلمة وتصرف، لذا أطالب بأن يتم تدريب الأسر تسعة أشهر قبل استلام الطفل، تماما كما تنتظر الأم مولودها تسعة أشهر.

كيف يمكن للمجتمع أن يغيّر من نظرته تجاه اليتيم؟

أولا، علينا أن ندرك أن اليُتم ليس وصمة هو تجربة قاسية تتطلب منا الدعم لا الإقصاء، أتذكر حين كنا أنا وأخواتى فى الدار، كنا نشترى بأموالنا ألوانا وكراسات ونلون مع الأطفال الصغار، أحدهم لم يكن يعرف حتى أسماء الألوان فى سن السادسة يومها قالت لى طفلة: «اللون الأزرق شبه السما وشبه الطرحة اللى لابساها». شعرت حينها بالفرح والحزن معا. كانت ذكية جدا، لكنى شعرت بالعجز لأنى لا أملك القرار لتطويرها.

ماذا تقولين للمجتمع الذى ما زال ينظر لليتيم كأنه درجة ثانية؟

أقول لهم: توقفوا عن الشفقة، وابدأوا فى الدعم الحقيقى لا تنظروا إلينا كضحايا، بل كأشخاص قادرين على المساهمة والقيادة. كل ما نطلبه هو فرصة، لا أكثر.

كيف ترين مستقبل دور الرعاية فى مصر؟

أؤمن أن التغيير بدأ فعلا، هناك توجه من الدولة نحو الدمج المجتمعى والحد من فكرة «المؤسسة»، لكن ما نحتاجه أكثر هو التمكين الاقتصادي، والتأهيل النفسي، وإشراك الأبناء أنفسهم فى وضع السياسات الخاصة بهم.

ما الرسالة التى توجهينها لمن يفكر فى فتح دار رعاية؟

تربية الأيتام مسؤولية عظيمة، وليست مجرد لقمة وسرير، ليست مشروعا لجمع الحسنات، بل رحلة إنسانية تتطلب وعيا حقيقيا. الأيتام مستعدون لتحمل المسؤولية، لكن لا تتركوهم وحدهم. علينا أن نكون ظهرهم لا عبئا عليهم.

أخيرا.. كيف ترين دور الدراما فى هذه القضية؟

أشكر صناع مسلسل «ولاد الشمس».. الدراما عندما تقدم بإخلاص، تسبقنا جميعا فى رفع الوعي، وتفتح ملفات طالما أغلقناها.. المسلسل جعل الكثيرين يشعرون بوجع هؤلاء الشباب، وهذه أولى خطوات التغيير الحقيقي.

وفى الختام، ما رسالتك لفتاة صغيرة اليوم داخل دار أيتام تشعر بأنها «منسية»؟

أقول لها: أنت لست وحدك، قد تشعرين بالغربة الآن، لكن هناك مستقبلا ينتظرك لا تستسلمى لنظرة الآخرين، بل اصنعى لنفسك قصة نجاح، أنت تستحقين الأفضل… تماما كما فعلت أنا.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان