كنت أدفع نقود الخضراوات التي اشتريتها من «أم محمد»، التي تفترش بضاعتها بالقرب من منزلي، عندما لاحظت أنها بعكس ما اعتدت عليه صامتة، وعيونها زائغة على غير عادتها، وهي المعروفة بمداعباتها لزبائنها أثناء شرائهم منها، وهو ما دفعني لأن أسألها، عن أسباب هذا الهدوء والصمت.
أجابتني أم محمد بأن حفيدها الذي يبلغ من العمر 6 سنوات، يعاني أزمة «ربو» شديدة، تسببت في نقله للمستشفى للمتابعة والعلاج في الليلة السابقة.
نمط متكرر
تمتمت بدعوات الشفاء، وأبديت تعاطفا معها، وعرضت عليها أى نوع من المساعدة، لكنها شكرتنى وطلبت منى الدعاء للصغير، قبل أن تتابع وهى تسألنى «أين يمكن أن أشكو من أحد المصانع القريبة لمنزل ابني، والتى تتسبب فى خروج دخان يؤذى صحة سكان المنطقة، ويتسبب لهم فى الإصابة بالأمراض وبينهم حفيدي»، وأجبتها بما طلبته، وأنا أتمنى الشفاء للمريض وأحمل مشترياتى وانصرف.
شغلنى أمر حفيد «أم محمد»، لأنه أعاد لتفكيرى قضية التلوث التى نعانى منها جميعا فى شوارعنا، حتى باتت نمطا متكررا من الإهمال البيئى والصحي، على الرغم من الجهود المضنية التى تبذلها الدولة ممثلة فى وزارت الإسكان، والصناعة، والبيئة للحد من هذا التلوث، من خلال إقامة العديد من المناطق الصناعية المؤهلة فى الكثير من المناطق بعيدا عن المناطق السكنية، بل والاستفادة من المخلفات خاصة فى المنشآت الصناعية، بإعادة تدويرها وتحويلها إلى مواد ذات فائدة.
تحسين البيئة
فى اليوم التالي، هاتفت الدكتورة ياسمين فؤاد ، وزيرة البيئة ، لأسألها عن أحدث جهود الوزارة للحد من الأضرار التى تتسبب فيها الانبعاثات الضارة الصادرة عن المنشآت الصناعية فقالت، إن الوزارة تسعى إلى تحسين البيئة الصناعية من خلال خفض استهلاك الموارد واستبدال المواد الضارة بأخرى صديقة للبيئة، إلى جانب وضع وحدات لمعالجة الانبعاثات والتخلص منها بشكل آمن.
وتبدأ رقابة وزارة البيئة على المنشآت الصناعية، من الصرف الصناعى داخل كل منشأة حتى خروج المنتج النهائي، بحسب الدكتورة ياسمين فؤاد، لضمان مطابقة المياه المصرفة للمعايير القانونية، مع تشجيع المصانع على إعادة تدوير المياه واستخدامها فى أغراض غير ضارة، مثل إطفاء الحرائق أو رى الأشجار غير المثمرة.
برنامج تحكم
وتقوم الوزارة بتنفيذ «برنامج التحكم فى التلوث الصناعي» منذ عام 1997، يهدف إلى مساعدة المصانع فى تعديل أنظمتها وفقا للاشتراطات البيئية، والحديث مازال للدكتورة ياسمين فؤاد، كما أطلقت الوزارة المرحلة الجديدة من «برنامج الصناعة الخضراء المستدامة»، بالتعاون مع الاتحاد الأوروبى والبنك الأوروبى لإعادة الإعمار، لتحويل الصناعات التقليدية إلى أخرى صديقة للبيئة.
وأوضحت الوزيرة، أن وزارتها تعتمد على أدوات متعددة للرقابة، منها مراجعة دراسات تقييم الأثر البيئي، وتنفيذ حملات تفتيش مفاجئة، وفرض غرامات أو وقف النشاط عند رصد مخالفات جسيمة، مع توفير الدعم الفنى للمصانع الراغبة فى الالتزام بالمعايير.
صناعة نظيفة
كما تفرض الوزارة اشتراطات بيئية على المصانع، تشمل تركيب أنظمة فلترة لمعالجة الانبعاثات وربطها بمنظومة الرصد البيئي، والالتزام بالحدود القانونية للصرف الصناعى والانبعاثات، فضلا عن إنشاء مناطق عازلة بين المصانع والمناطق السكنية، والتخلص الآمن من المخلفات، خاصة الخطرة منها، بحسب الدكتورة ياسمين فؤاد.
وأكدت أن تحقيق التنمية الصناعية لا يتعارض مع الحفاظ على البيئة، مشددة على أن التحول إلى الصناعة النظيفة لم يعد رفاهية، بل ضرورة لضمان بيئة آمنة وصحة مستدامة للأجيال المقبلة.
رؤية مصر 2030
ولفتت الدكتورة ياسمين فؤاد إلى أن الحكومة تسعى ضمن رؤية مصر 2030 إلى تعزيز الاقتصاد الأخضر من خلال مشروعات للطاقة المتجددة، والنقل المستدام، والإسكان الأخضر، رغم التحديات المالية التى تواجهها هذه المشروعات، مشيرة إلى أنه رغم تلك الجهود، لا تزال هناك مصانع غير ملتزمة، نتيجة لقلة الوعى البيئى لدى أصحابها من المستثمرين، أو لارتفاع تكلفة تحديث أنظمتها، ما يستدعى مضاعفة الدعم الفني، وتقديم حوافز لتشجيع الاستثمار فى الصناعة الخضراء.
وشددت، على اهتمام مصر برفع الوعى البيئي، وقضايا المناخ، وتعزيز نمو الاقتصاد الأخضر منذ سنوات طويلة، موضحة أن هناك العديد من النماذج لحالات، أُغلقت فيها مصانع ومنشآت صناعية لمخالفتها الأنظمة البيئية، ومنها على سبيل المثال، مصنع أعلاف فى الإسكندرية عام 2021، تم غلقه بعد شكاوى من السكان بسبب روائح كريهة، وتبين أنه يتجاوز حدود التلوث المسموح بها، و3 مصانع أخرى فى نفس أيضا لتدوير المخلفات فى شبرامنت بالجيزة، لتسببها فى تلوث الترع والمصارف.
كذلك، تم قطع المياه والكهرباء عن 6 مصانع فى 2014 بالعاشر من رمضان، بعد انتهاء مهلة توفيق الأوضاع، وأيضا 10 مصانع فى 4 محافظات لتجاوزات مستمرة فى الانبعاثات الضارة.
ويبقى الأمل معقودا على تكامل أدوار الدولة والمواطنين والمجتمع المدنى فى تحقيق التوازن بين التنمية والبيئة والصحية، فالصحة ليست ترفا، بل حقا إنسانيا أصيلا، يجب أن تحميه كل سياسات الدولة، وتراقبه كل أجهزة الرقابة، وتحرص عليه كل إدارة فى مصنع أو منشأة.
وتستقبل وزارة البيئة المصرية الشكاوى من المواطنين عبر عدة وسائل، منها الخط الساخن 19808، ورقم الواتساب 01222693333، بالإضافة إلى بوابة الشكاوى الحكومية الموحدة على الإنترنت