يشهد سوق العقارات ميلاد نظام جديد لإعادة رسم خريطة القطاع العقارى وتنظيم تعاملاته وهو منح كل عقار رقم موحد بهدف ربط البيانات وحماية الملكية وتسهيل الإجراءات، بعد إصدار قانون جديد يتمحور حول إنشاء قاعدة بيانات قومية إلكترونية واعتماد «الرقم القومى الموحد للعقار»، وهو بمثابة بصمة رقمية فريدة لكل وحدة عقارية على أرض المحروسة.. «أكتوبر» تنشر تفاصيل هذا النظام .
بداية لا بد أن نشير إلى أن الهدف من تخصيص بصمة عقارية للمنشآت هو بهدف تكوين قاعدة بيانات جغرافية مكانية لجميع العقارات بمختلف أنواعها وأنشطتها وتعظيم الاستفادة منها بشكل إيجابي لتحقيق الأهداف الاستراتيجية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية للدولة، والمساعدة فى التخطيط لمشروعات التنمية المختلفة التى تحتاجها كل منطقة جغرافية لتحسين الخدمات العامة والمرافق، للمساهمة فى سرعة وسهولة تقديم خدمات الحكومة الرقمية للمواطن على مدار 24 ساعة.
ويُعرف القانون الجديد هذا الرقم بأنه «رقم فريد وغير قابل للتكرار يميز كل عقار فى جمهورية مصر العربية»، ولا يقتصر الأمر على مجرد رقم تسلسلي، بل يتجاوز ذلك ليرتبط بشكل وثيق بالأكواد الخاصة بـ «خريطة الأساس الموحدة» – وهى خريطة رقمية شاملة لكل المعالم الجغرافية فى مصر، تتولى إدارتها وتحديثها إدارة المساحة العسكرية. وهذا الربط يمنح كل عقار إحداثيات مكانية دقيقة، ما يفتح آفاقًا واسعة لتتبع تاريخ العقار وبيانات ملكيته بدقة متناهية.
وأظهر المهندس شريف الشربيني، وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، تأييدًا ودعمًا قويين لمشروع قانون إنشاء قاعدة البيانات الرقمية الموحدة للعقارات. وقد عبّر عن سعادته بمناقشة هذا القانون المهم فى مجلس النواب ، مؤكدًا أهميته فى تحقيق توجيهات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي نحو التحول الرقمى فى الجمهورية الجديدة.
وشدد الوزير على أن الحكومة، ممثلة فى وزارتى الإسكان والاتصالات، تعمل بجد لتطبيق التحول الرقمى فى كل التعاملات العقارية، بالتزامن مع مشروع القانون.
وأشار إلى أن إطلاق «منصة مصر العقارية» يمثل الخطوة الأولى نحو تطبيق هذا القانون، معتبرًا الطرح الأخير للوحدات السكنية الذى تم بالتعاون مع المنصة بمثابة التطبيق الفعلى الأول للقانون.
وأوضح الشربينى أن هذا القانون يحمل العديد من المكتسبات المباشرة وغير المباشرة، أهمها إنشاء قاعدة بيانات موحدة وشاملة للعقارات فى مصر، مما يساهم فى حوكمة التعاملات العقارية وحماية حقوق المواطنين والدولة من عمليات الاحتيال. كما أكد أن القانون يدعم جهود الوزارة فى تعظيم الاستفادة من المشروعات العقارية، ويتماشى مع توجه الدولة نحو تصدير العقار وجذب الاستثمارات، كما ظهر فى مبادرة «بيتك فى مصر» ومشروع «بيت الوطن».
وأكد التزام وزارة الإسكان الكامل بتنفيذ القانون بالتعاون مع مختلف الجهات، مشيرًا إلى أهمية الشراكة والمكاشفة والتخطيط طويل الأمد فى تحقيق التنمية.
و أشار إلى أن الوزارة بصدد إنشاء وحدة متخصصة لتنظيم السوق العقارية، ستكون مظلتها الأساسية هى مشروع قانون الرقم القومى الموحد للعقارات، مؤكدًا وجود مكتسبات إيجابية أخرى للقانون.
بدوره أكد الدكتور عمرو طلعت، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات أن القانون سيصبح نافذًا بعد التصديق عليه من قبل السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، بعد أن حصل على موافقة مجلس النواب مؤخرًا.
وأوضح الوزير أنه جار التنسيق لبدء عدد من الاجتماعات مع الجهات المعنية لإعداد اللائحة التنفيذية للقانون، استعدادا للتنفيذ.
وأشار إلى إجمالى عدد عدّادّات الكهرباء المربوطة جغرافيًا والمنتج لوحداتها أرقام قومية عقارية، والأرقام القومية العقارية الصادرة للوحدات فى المحافظات المختلفة.
وأوضح أن قانون الرقم القومى العقارى يمثل تطورًا بالغ الأهمية فى تنظيم الثروة العقارية على مستوى الجمهورية، من خلال إنشاء منظومة متكاملة يتم من خلالها تخصيص رقم عقارى قومى متفرد لكل عقار، سواء كان سكنيًا أو تجاريًا أو إداريًا أو صناعيًا، بغض النظر عن نوعه أو حجمه أو مساحته.
وأضاف أن الهدف من تطبيق منظومة الرقم القومى للعقار هو تيسير عمليات تداول العقارات، والتصدى لأى ممارسات احتيالية قد تتم عبر التلاعب بالعناوين، مؤكدًا أن القانون ينص على أن الرقم القومى العقارى سيكون المعرف الوحيد المعتمد لدى جميع جهات الدولة فى التعامل مع العقارات، مما يسهم فى إنهاء ظاهرة تكرار وازدواجية العناوين.
وأكد الدكتور عبد الهادى القصبي، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن أن هذا القانون يمثل خطوة كبيرة نحو تنقية سوق العقارات فى مصر، وحماية الحقوق، وزيادة موارد الدولة.
وأضاف أن مشروع القانون يعالج العديد من المشكلات المزمنة فى سوق العقارات، لافتًا إلى أن نسبة العقارات المسجلة رسميًا لا تزال ضئيلة جدًا، مما تسبب فى تزايد النزاعات وضياع الحقوق وتكدس المحاكم بالقضايا ذات الصلة.
وأوضح أن مشروع القانون يهدف إلى حماية العقار بحيث لا يتم التعامل عليه إلا من قبل مالكه الأصلي، كما يتيح للمالك الحصول على تسهيلات ائتمانية وتمويلية بضمان العقار المسجل.
وأشار أيضا إلى أن مشروع القانون من شأنه أن يساهم فى دفع العملية الإنتاجية فى القطاع العقاري، وخلق فرص عمل جديدة، وتأمين عمليات البيع والشراء، وتعزيز ثقة المواطنين فى التعاملات العقارية، بما يقلل من حجم النزاعات والقضايا المرتبطة بالسوق.
وتابع القصبى أن مشروع القانون يسعى إلى إنشاء سجلات عقارية منضبطة، وإصدار رقم قومى موحد لكل عقار، بما يحمى حقوق الملاك، ويحد من ظواهر الغش والتزوير والتدليس، ويمنع تضارب البيانات، فضلاً عن الحد من البناء العشوائى وغير المرخص.
وأوضح المهندس طارق شكرى، وكيلً لجنة الإسكان والمرافق العامة والتعمير بالبرلمان، أن تسجيل العقارات سوف يكون من خلال منظومة إلكترونية متكاملة، يتم من خلالها إصدار شهادة ميلاد للعقار ورقم قومى يحتوى على جميع المعلومات والبيانات الخاصة بالوحدات سواء كانت سكنية أو تجارية أو طبية وغيرها بهدف حمايته.
وأشار إلى أنه سيتم داخل المنظومة تقسيم المدن إلى أحياء ثم شوارع ثم العقارات بالرقم القومى وذلك ضمانة للملكية من عمليات النصب والاحتيال ووضع اليد على أملاك الغير، مؤكدا أن المنظومة التى تضعها الحكومة سهلة ومريحة فى إجراءات التسجيل، وستكون عبارة عن مربعات إلكترونية تُوضع داخلها كل التفصيلات الداخلية لكل عقار من حيث الملكية والمساحة والتفصيلات المطلوبة له بحيث يكون تسجيلا دقيقا قبل إصدار الرقم القومى الخاص به، وأوضح مؤكدا أن المنظومة ستبدأ من الأحياء إلى المدن والمراكز وصولا إلى المحافظة ثم المنظومة الأم على مستوى الجمهورية.
وأضاف: سيتم ربط المنظومة العقارية وخاصة العقارات المسجلة بكافة الجهات الحكومية المعنية وأيضا بكل الخدمات الحكومية، التى من الممكن أن يحتاجها العقار مثل الكهرباء والمياه والغاز والضريبة العقارية وغيرها من الخدمات حتى تكون تفاصيل العقار والتزاماته معروفة للدولة وأيضا للمشتري.
وأكد الدكتور عبد الوهاب غنيم، نائب رئيس الاتحاد العربى للاقتصاد الرقمى أن التجربة سيتم تطبيقها فى محافظة بورسعيد لكونها المحافظة الرقمية الأولى فى مصر، حيث تم تحديث البنية التحتية التكنولوجية الرقمية التى تم الانتهاء منها خلال تطبيق مشروع التحول الرقمى للخدمات الحكومية ومنظومة التأمين الصحى الشامل.
وأوضح غنيم أن المشروع سيتم من خلاله تقسيم خريطة مصر إلى خطوط طولية وعرضية متقاطعة ويتم تشكيل لجان لوضع الأكواد لكل وحدة عقارية من خلال وضع أكواد لكل محافظة ومنطقة وحى وشارع ومبنى ووحدة وربطها بنظم المعلوماتى الجغرافية «GIS»، مما يساعد على تكوين الخرائط الرقمية وسهولة تحليلها ونشرها وطباعتها لخدمة الدراسات والأبحاث ومساعدة متخذى القرار لاتخاذ القرارات بسرعة وبسهولة لخدمة المواطنين.
فى قراءة متأنية للقانون يتبين أنه يهدف إلى تحقيق حزمة من الأهداف الطموحة التى من شأنها أن تحدث تحولا جذريا فى القطاع العقاري. فى مقدمة هذه الأهداف يأتى تسهيل وتسريع إجراءات تسجيل العقارات. وبفضل الرقم القومى الموحد، سيصبح تتبع تاريخ العقار وبيانات ملكيته أمرا يسيرا، مما يقلل من البيروقراطية ويسرع وتيرة عمليات التسجيل والشهر العقاري.
كما يولى القانون اهتمامًا بالغًا بحماية حقوق الملكية. فمن خلال إنشاء قاعدة بيانات مركزية وموثوقة لجميع العقارات، سيتم الحد بشكل كبير من عمليات التلاعب والتزوير فى المستندات العقارية، ما يضمن حقوق الملاك ويعزز الثقة فى السوق العقاري.
ولا يغفل القانون أهمية تكامل البيانات بين الجهات الحكومية. فالرقم القومى الموحد للعقار سيُتيح ربط البيانات العقارية بمختلف الجهات المعنية، مثل وحدات الإدارة المحلية، وأجهزة المدن، وشركات المرافق. هذا التكامل سيُسهل تبادل المعلومات، ويُحسن التنسيق بين الجهات، وينعكس إيجابًا على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
ويولى القانون أهمية خاصة لتحديث البيانات العقارية بشكل مستمر. فقد حدد آليات واضحة لتحديث قاعدة بيانات الرقم القومى الموحد بشكل دوري، لمراعاة أى تغييرات تطرأ على العقار، سواء كانت بناء جديدا، أو هدما، أو تقسيما، أو دمجا. هذه الآلية تضمن بقاء البيانات دقيقة وحديثة على الدوام.
وعلى صعيد التحول الرقمي، يمهد القانون الطريق نحو استخدام الرقم القومى الموحد للعقار فى كل التعاملات العقارية الإلكترونية فى المستقبل. هذه الخطوة ستُعزز الشفافية والكفاءة وتُقلل من الحاجة إلى الإجراءات الورقية التقليدية.
ووضع القانون آليات واضحة لتنفيذ هذا النظام الجديد. فمن المقرر أن تتولى جهة يتم تحديدها بقرار من رئيس مجلس الوزراء مسئولية إتاحة البيانات المكانية والنصية للرقم القومى العقارى وإدارة الاستفادة منه.
ويلتزم الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء بدور محورى فى تحديد مكونات الرقم القومى الموحد ووسائل التعريف بهوية العقار، بما فى ذلك إنشاء بطاقات ولوحات تعريفية مؤمنة تحمل رمز الاستجابة السريعة (QR Code).
أما عن عملية وضع هذه البطاقات واللوحات التعريفية على العقارات، فتتولى مسئوليتها وحدات الإدارة المحلية وأجهزة المدن. ويُحذر القانون بشدة من إتلافها أو العبث بها، حيث تترتب على ذلك عقوبات مالية تصل إلى خمسة عشر ألف جنيه، وقد تتضاعف لتشمل الحبس فى حالات العمد أو التكرار.
ويلزم القانون كل سلطات وأجهزة الدولة والأشخاص الاعتبارية والمنشآت التى تقدم خدمات عامة بالتعامل على العقار من خلال الرقم القومى الموحد، ما يؤكد إلزامية النظام الجديد وتعميم استخدامه.
ولضمان الالتزام بالقانون، تضمن عقوبات رادعة لكل من يمتنع عن تقديم البيانات المطلوبة لإنشاء وتحديث قاعدة البيانات، حيث تصل الغرامة فى هذه الحالة إلى ثلاثين ألف جنيه.
حرصًا على التدرج فى تطبيق النظام الجديد، منح القانون مهلة قدرها ستة أشهر من تاريخ العمل باللائحة التنفيذية لأصحاب الشأن لتوفيق أوضاعهم والتعامل بالرقم القومى الموحد للعقارات. وقد منح القانون لرئيس مجلس الوزراء صلاحية مد هذه المهلة لمدة لا تزيد فى مجموعها عن ثلاث سنوات، ما يعكس مرونة فى التطبيق.
فى المقابل، استثنى القانون بعض العقارات ذات الأهمية الاستراتيجية والعسكرية التابعة لرئاسة الجمهورية ووزارات الدفاع والداخلية والأجهزة الأمنية الأخرى من تطبيق أحكامه، وذلك وفقًا لما يحدده قرار من مجلس الوزراء، مراعاة لطبيعة هذه المنشآت.
يُجمع الخبراء على أن هذا القانون يمثل نقلة نوعية حقيقية فى قطاع العقارات المصري. فمن المتوقع أن يُساهم فى تحقيق قدر أكبر من الشفافية والكفاءة فى التعاملات العقارية، وحماية حقوق الملكية
بشكل فعال، وتسهيل تقديم الخدمات للمواطنين بشكل ملحوظ. كما يُنظر إليه كخطوة مهمة نحو التحول الرقمى فى هذا القطاع الحيوي، الذى يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني.
ويبقى التحدى الأكبر فى التطبيق الفعال لهذا القانون وتذليل أى عقبات قد تواجه عملية إنشاء قاعدة البيانات وتعميم استخدام الرقم القومى الموحد للعقار. ومع ذلك، فإن الخطوة الأولى قد تمت، وتُبشر بمستقبل أكثر تنظيمًا وشفافية للقطاع العقارى فى مصر.