أنام وأصحو علي أمنية لا تفارق عيني أن تمر بسرعة هذه الأيام العجاف علي أهلنا في غزة، ويستيقظون علي صباح العيد مطمئنين، وينامون ليلتهم في سلام، وكم أتمني أن أشاهد كاميرات العالم ترصد إعادة بناء غزة، وأبتهل الله أن نري في أيام عيد الأضحي وما بعدها الابتسامة تعلو وجوها بريئة سلبها محتل يكره السلام، فالنفس فاض بها الكيل، وأصبحت لا تقدر علي تحمل أوجاع وأنين شعب غزة ، فقد فاق سماع صراخهم ورؤية نزيف دمائهم يوميا صمود الجبال.
نأمل في عيد يأتي معه أمل ببزوغ طاقة نور ينتظرها الملايين، وتكون طاقة تهدهد الفؤاد المجروح، وتنشر نسمات من عطر يفوح منه الأمان، تعلن عن نصر قادم لا محالة، بعد أن كاد يخبو الأمل ويتلاشي، ومن فضائل عيد الأضحي أنه يربي الأمة علي الوفاء بالعهد، كما أوفي إبراهيم عليه السلام مع الخالق، والإبن كان صورة طبق الأصل من أبيه وأوفي بالعهد مع أبيه، وعلم الأب وابنه الأمم معني الجد وعفة اللسان وسلامة الصدور ونقاء القلوب وكيفية تطهيرها من أدران الأحقاد والبغضاء.. فيتلاقي الجميع علي المحبة والخير والدعوة والإصلاح وتجتمع القلوب وتتوحد الجهود.. وتتجسد ملامح التلاحم بين المسلمين.
وفي عيد الأضحي نسترجع الدرس إلي أن السبيل إلي النصر والسلام لا يأتي إلا بعد التضحية بالنفس والمال، فيدخل الرسول والصحابة مكة بعد مشوار طويل من البذل والعناء، ويتوج دماء بواسل مصر نصر أكتوبر، ثم تتذوق النفس الراحة بعد أن أتعبها صراع مرير مع الحياة، وتتوق للحظة من الهدوء والطمأنينة، ولن تتذوقها النفس إلا في أيام من الروحانيات، لتنشرح به قلوب أسلمت أمرها لإله واحد.
وتهدأ النفوس عقب معايشتها إراقة دماء الأضاحي ، وتتلمس فيها آلام وآهات سكان غزة ، وإنما هي وسيلة للتقرب إلي القدير؛ ليخفف عنهم معاناة الجوع والعطش لساعات بل لأيام، وطريقا ليطفأ حرقة القلب علي أوجاع أطفال غزة الجوعي، ويزف لنا الأضحي البشريات، وأولها أن جزاء الصبر الفوز برضوان الرحمن، وأن النصر حليف الصابرين، وفيه ينجو إسماعيل من الذبح، ويهدأ قلب الأب علي وحيده، الذي يحمل بين جنباته البشري بخاتم الأنبياء، ويبعثه الله رحمة للعالمين، ويذبح عن كل فقير من أمته أضحية تكون له قربة إلي خالقه ووقاية له من النار.
وفي أيامه المباركة تسيل دماء الأضاحي لتمحو الآثام، معلنة عن التسامح والتقارب بين القريب والجار والفقير، وأن دماءها دعوة أن الله قريب من عباده المخلصين، فقد فدي نبيه إسماعيل بكبش عظيم حمله الروح الأمين، ويذكرنا عيد الأضحي أن بعد مآسي أصحاب الأخدود وماشطة فرعون وأهل الكهف لابد أن يهل الفرج والنصر، وقال الله تعالي لرسوله: "فاقصص القصص لعلهم يتفكرون"، ولا مفر أنه جابر لبكاء القلوب، وأنه حتما سيكون جابرا لشعب يستنصره بدمائه.