قبل أكثر من قرن من الزمان.. وتحديدًا فى عام 1902، دارت أولى عجلات سيارات الإسعاف فى شوارع مصر.. لم تكن سيارات كما نعرفها اليوم.. بل كانت عربات تجرها الخيول أنشأتها جمعية الهلال الأحمر المصري، فى أول محاولة منظمة لتقديم خدمات الطوارئ للمصابين والمرضى، وتكون البداية الحقيقية لنظام الإسعاف فى مصر، والذى شهد على مدار أكثر من 120 عامًا تحولات جذرية فى الشكل والمضمون، حتى أصبح اليوم هيئة مركزية مزودة بأسطول متطور من المركبات وغرف العمليات الذكية.
تطورت خدمات الإسعاف تدريجيًا، وبدأت الحكومة فى إدخال سيارات الإسعاف المزودة بمحركات، لكنها كانت محدودة فى العدد، وتعانى من نقص فى التجهيزات والكوادر، حتى جاءت النقلة الكبرى فى عصر ما بعد ثورة يوليو 1952، حيث توسعت الدولة فى إنشاء إدارات للإسعاف داخل مديريات الصحة فى المحافظات، وبدأت تتشكل ملامح منظومة وطنية، تعتمد على تدخل سريع وتنسيق مع المستشفيات العامة.
هيئة مستقلة
إلا أن الانطلاقة الفعلية لمنظومة الإسعاف الحديثة جاءت فى عام 2009، حين صدر القرار الجمهورى 139 بإنشاء “هيئة الإسعاف المصرية”، كهيئة عامة مستقلة تتبع وزير الصحة مباشرة، لتوحيد خدمات الإسعاف تحت مظلة مركزية، ولتحسين جودة الاستجابة، ورفع كفاءة العنصر البشري، وتوفير سيارات مجهزة وفقًا للمعايير الدولية.
ومنذ ذلك الحين، لم تعد الإسعاف مجرد وسيلة لنقل المرضى، إلى نظام متكامل للاستجابة الطبية السريعة، يعتمد على التكنولوجيا، والتدريب المتخصص، والأسطول المتطور، وتصبح خط الدفاع الأول فى الطوارئ، مدعومة بأكثر من 3 آلاف سيارة على مستوى الجمهورية، منها سيارات مزودة بوحدات عناية مركزة، وأجهزة تنفس صناعي، ومراقبة للعلامات الحيوية، وأدوات الإنعاش القلبى الرئوي، ووحدات عناية مركزة متنقلة، خاصة فى سيارات الحالات الحرجة، وأخرى مخصصة للأطفال حديثى الولادة.
الإسعاف الطائر
وفى خطوة تهدف إلى تجاوز تحديات الزحام المرورى والمناطق الوعرة، أدخلت الهيئة ما يُعرف بـ” الإسعاف الطائر”، لنقل الحالات شديدة الخطورة بين المحافظات أو من الأماكن النائية إلى المستشفيات الكبرى، كما تم تفعيل الدراجات النارية الإسعافية فى القاهرة الكبرى، والإسكندرية، وبعض المدن الساحلية، للتدخل السريع فى الحوادث بالمناطق المزدحمة.
واستمر التطور فأدخلت الهيئة نظام التتبع عبر الأقمار الصناعية (GPS) لكل سيارة، ما يسمح بتحديد أقرب وحدة للحالة، وتقليل زمن الاستجابة، وصولًا إلى إنشاء غرف عمليات رقمية موحدة تعمل على مدار الساعة، وتفعيل تطبيقات إلكترونية لتلقى البلاغات، فى إطار تطويع التكنولوجيا لخدمة “الرعاية العاجلة”، ونترقب المستقبل القريب، الذى قد يشهد دحول الطائرات دون طيار لخدمة الحالات الحرجة.
استغاثة إلكترونية
واستمرارا للتطور، أطلقت هيئة الإسعاف خلال الفترة الماضية تطبيقين عبر الهواتف الذكية، الأول هو “إسعاف مصر”، والذى يمكن المواطنين من طلب الإسعاف، للحالات الطارئة، مع تحديد الموقع بدقة، والتواصل المباشر مع المسعفين، مما يوفر وقتًا ثمينًا لإنقاذ الأرواح، ويتحمل المواطن 30% فقط من التكلفة، بينما تتحمل الدولة 70% من إجمالى التكلفة.
ويتيح التطبيق للمستخدم معرفة تكلفة الخدمة قبل تأكيد الطلب، وتبدأ المرحلة الأولى من تفعيل التطبيق فى 13 محافظة، ضمن خطة أوسع لتطوير خدمات الرعاية العاجلة باستخدام الوسائل الرقمية الحديثة.
التطبيق الثانى الذى أطلقته هيئة الإسعاف يحمل اسم “اسعفني”، لتسهيل طلب خدمات نقل الحالات الطبية المستقرة (غير الطارئة)، مثل نقل المرضى من المستشفيات إلى منازلهم، أو لإجراء فحوصات طبية فى أماكن أخرى مثل مراكز الأشعة، أو جلسات العلاج الدورية
الاستعانة بالتطبيقات الإلكترونية، جاء لتخفيف العبء عن الخط الساخن للإسعاف، الذى يستقبل ما يقارب مليون مكالمة يوميًا، معظمها لا تتعلق بحالات طارئة، مما يؤدى إلى استهلاك غير مبرر للموارد والجهد.
الاستثمار فى الإنسان
خطة التطوير على الآلات والتقنيات، امتدت إلى العنصر البشري، حيث يتم تدريب المسعفين على أعلى مستوى بالتعاون مع جهات دولية ومحلية، مثل هيئة الطوارئ البريطانية، ومنظمة الصحة العالمية، وشهدت السنوات الأخيرة إنشاء برامج تدريبية تخصصية، تشمل الإسعاف فى حالات الأزمات الكبرى، التعامل مع الأمراض المعدية، وتقديم الدعم النفسى للمصابين.
هذه الجهود الكبيرة، أثمرت عن تحسين زمن الاستجابة للحوادث والطوارئ، حيث يصل متوسط زمن وصول الإسعاف فى المدن الكبرى إلى 8 دقائق فقط، بينما تستمر محاولات تقليص الزمن فى المناطق الريفية من خلال إنشاء نقاط تمركز جديدة وتوزيع الأسطول بشكل أكثر فاعلية.
الذكاء الاصطناعى فى الخدمة
وبحسب مصادر داخل الهيئة، فإن هناك خططًا مستقبلية لإدخال الذكاء الاصطناعى لتحليل بيانات البلاغات وتوقع أماكن تكرار الحوادث، بالإضافة إلى دراسة إمكانية إدخال الطائرات دون طيار للمساعدة فى إيصال أدوات الإسعاف الأولى فى المناطق الجبلية أو الصحراوية.