العنف الأسري في مصر بين الدين والعلم: ورشة عمل تبحث الأسباب وتطرح الحلول

العنف الأسري في مصر بين الدين والعلم: ورشة عمل تبحث الأسباب وتطرح الحلولجانب من اللقاء

منوعات17-6-2025 | 22:12

في ظل تصاعد قضايا العنف داخل الأسرة المصرية، وتنامي التحديات التي تواجه كيان الأسرة في العصر الرقمي، جاءت ورشة العمل التي نظمها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالتعاون مع دار الإفتاء المصرية، كمحاولة جادة لفهم الظاهرة من منظور تكاملي يجمع بين العلوم الاجتماعية والجنائية والدينية. الورشة، التي شهدت حضور نخبة من العلماء والمتخصصين، فتحت حوارًا عميقًا حول جذور العنف الأسري وسبل مواجهته في ظل التغيرات المجتمعية والتكنولوجية المتسارعة.

عقد المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية ورشة عمل بعنوان "العنف الأسري في مصر: رؤية تكاملية بين الإفتاء والعلوم الاجتماعية والجنائية"، يوم الثلاثاء الموافق 17 يونيو 2025، بالتعاون مع دار الإفتاء المصرية، وبحضور فضيلة الأستاذ الدكتور نظير عياد، مفتي الديار المصرية، وذلك بقاعة ابن خلدون بمقر المركز.

افتتحت الورشة الأستاذة الدكتورة هالة رمضان، مديرة المركز، مؤكدة على أهمية استمرار الحوار المجتمعي حول ظاهرة العنف الأسري، التي تهدد استقرار الأسرة المصرية. وأشارت إلى أن الأسرة تمثل الحصن الأول للفرد، وبالتالي فإن ظهور العنف داخلها يعد مؤشرًا خطيرًا يتطلب تحليلًا عميقًا من كافة الزوايا النفسية والاجتماعية والدينية والقانونية. وأضافت أن المركز يعمل من خلال أبحاثه على تقديم تفسيرات علمية واقتراح حلول مبنية على بيانات ميدانية، بما يعزز الفهم المجتمعي لتلك الظاهرة ويضع أسسًا عملية لمواجهتها.

من جانبه، شدد فضيلة المفتي الدكتور نظير عياد على أن العنف الأسري يمثل تهديدًا مباشرًا لبنية المجتمع، لافتًا إلى أن ربط مفهومي "العنف" و"الأسرة" يعد أمرًا شاذًا وغير مقبول. وأوضح أن تطور وسائل التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي ساهم في تصاعد هذه الظاهرة، مشيرًا إلى أن الأديان السماوية كافة دعت إلى تأسيس الأسرة على الرحمة والمودة، لا على النزاع والصراع. وأكد على ضرورة تكامل التخصصات المختلفة لفهم أبعاد الظاهرة والوصول إلى حلول واقعية.

وقد أدار النقاشات الأستاذ الدكتور أحمد زايد، أستاذ علم الاجتماع ومدير مكتبة الإسكندرية، الذي أكد في كلمته أن الأسرة يجب أن تبقى ملاذًا للطمأنينة والسكينة، وليس ساحة للعنف والتفكك. كما أشار إلى أهمية تحليل الظروف المتداخلة التي تؤدي إلى تصاعد العنف الأسري، داعيًا إلى تفعيل التعاون بين المؤسسات المختلفة لصياغة سياسات أكثر فاعلية لحماية الأسرة.

تخللت الورشة عرض ورقتين علميتين، الأولى قدمها الدكتور عمرو الورداني، أمين الفتوى وعضو اللجنة الاستشارية العليا للبحوث والتدريب بدار الإفتاء، بعنوان: "الحياة الطيبة هي المصدر الوحيد للمعرفة". وقد تناول فيها أثر التغيرات التكنولوجية المتسارعة على بنية الأسرة، مؤكدًا أن الأبناء باتوا كيانات رقمية يصعب التواصل معهم وفق الأساليب التقليدية، مما أدى إلى تفاقم الفجوة بين الأجيال وازدياد حدة الصراعات داخل الأسرة.

أما الورقة الثانية، فقد قدمها الأستاذ الدكتور وليد رشاد، أستاذ علم الاجتماع بالمركز، بعنوان: "العنف الأسري في مصر: الرؤية البحثية للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية"، واستعرض خلالها خلاصة مجموعة من الدراسات التي أجراها المركز في الفترة من 2000 إلى 2025 حول أنماط العنف الأسري وتطورها. وركزت الورقة على تأثير المتغيرات الاجتماعية والتكنولوجية على تفشي العنف، واقترحت سبلًا جديدة للحماية تستند إلى التكامل بين الأبعاد الدينية والاجتماعية والقانونية، إلى جانب تعزيز التعاون بين مؤسسات الدولة لتفعيل نتائج البحوث في السياسات العامة.

شهدت الجلسة الختامية نقاشًا مثريًا بين عدد من الأكاديميين والخبراء وصناع القرار والإعلاميين، نتج عنه مجموعة من التوصيات المهمة، أبرزها:

تخصيص قضاة متخصصين للنظر في قضايا العنف الأسري.

إنشاء مراكز علاج نفسي لمعالجة آثار العنف الأسري على الضحايا.

تفعيل دور الإعلام والدراما في الحد من إعادة إنتاج العنف، خاصة في ظل تنامي تأثير الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل.

تعزيز التكامل بين التخصصات المختلفة لفهم الظاهرة بشكل شامل.

تدريب الآباء على الأساليب التربوية السليمة وتوعيتهم بدورهم في بناء بيئة أسرية صحية.

إطلاق برامج للكشف المبكر عن حالات العنف الأسري داخل المدارس من خلال أخصائيي الإرشاد النفسي.

إيلاء العنف الموجه ضد كبار السن اهتمامًا خاصًا في السياسات الاجتماعية.

دراسة الأعراف والتقاليد المجتمعية التي قد تكرس أشكالًا من العنف داخل الأسرة.


اختتمت الورشة بالتأكيد على أن معالجة العنف الأسري تتطلب إرادة جماعية ورؤية علمية تستند إلى بيانات واقعية وتحترم خصوصية المجتمع المصري، مع ضرورة استمرار الحوار المجتمعي حول الظاهرة من أجل حماية الكيان الأسري وتحصين المجتمع من التفكك.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان