في الوقت الذي يخاف فيه الكثيرون من الثعابين، ويُنظر إليها كرمز للموت أو الشر، تبرز في خلفية هذا الرهاب العالمي صورة أخرى لهذه الكائنات؛ صورةٌ تقف فيها ال ثعابين على عتبة صناعة دوائية مزدهرة، وسياحة بيئية متنامية، واقتصاد خفيّ يُقدّر بمئات الملايين.
ورغم أن 85% إلى 90% من أنواع ال ثعابين غير سامة، إلا أن الخوف منها يدفع البعض إلى قتلها، ما يُحدث خللًا في التوازن البيئي. فالاختفاء التدريجي لل ثعابين يؤدي إلى زيادة أعداد القوارض، التي تدمّر المحاصيل وتنقل الأمراض، ويؤثر على سلاسل الغذاء والنظام البيئي ككل.
ال ثعابين كمهندسين للنظام البيئي
تلعب ال ثعابين دورًا مهمًا في السيطرة على أعداد القوارض والحشرات، وهي فريسة أيضًا لكائنات أخرى، مما يجعلها حلقة أساسية في التوازن الطبيعي. في أستراليا مثلًا، ساعد وجودها في تقليل أضرار الفئران على المحاصيل الزراعية، والتي تكلف ملايين الدولارات سنويًّا.
وتمتاز ال ثعابين بقدرتها على الوصول إلى الأماكن الضيقة التي لا تستطيع الحيوانات المفترسة الأخرى دخولها، ما يجعلها صائدة ماهرة للقوارض. ليس هذا فحسب، بل تسهم في نشر البذور من خلال تناول قوارض تغذت على النباتات، وبالتالي تلعب دورًا في تجديد الغطاء النباتي.
السم الذي يُنقذ الحياة
المفارقة أن السم الذي يُخيف البشر، يُستخدم الآن في صناعة أدوية منقذة للحياة. فسم الأفعى يحتوي على مركبات فعالة يمكنها مكافحة الأورام، وتسكين الألم، وعلاج أمراض مثل الزهايمر، والشلل الرعاش، والنوبات القلبية.
وتُستخدم هذه السموم في تطوير مضادات التجلط ومضادات الالتهاب ومضادات البكتيريا. وقد أدى هذا إلى فتح سوق عالمي واعد لمضادات السموم، قُدرت قيمته بـ 384 مليون دولار في 2025، ومن المتوقع أن يصل إلى 690 مليون دولار بحلول 2032.
دول كثيرة بدأت في الاستثمار في تربية ال ثعابين لاستخراج السم وتصديره، لتحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة، وتقليل الاستيراد من الخارج. كما يُستخدم جلد الثعبان في صناعة المنتجات الجلدية الفاخرة، مما يضيف قيمة اقتصادية إضافية لهذه الزواحف.
رمزية الثعبان في الطب
منذ آلاف السنين، ارتبط الثعبان بالطب. شعار الطب العالمي (عصا أسكليبيوس) يُجسد ثعبانًا يلتف حول عصا، وهو مأخوذ من الميثولوجيا اليونانية حيث كان الثعبان رمزًا للشفاء. وقد استخدمت الحضارات القديمة سموم ال ثعابين في الطب التقليدي، مثل الأيورفيدا والطب الصيني، لعلاج التهابات المفاصل، وآلام الأعصاب، وحتى الإدمان.
ومع التقدم العلمي، باتت البروتينات المعزولة من سم ال ثعابين تُستخدم في التجارب السريرية كأدوية جديدة، وسط اهتمام متزايد من شركات الأدوية العالمية.
السياحة البيئية: الثعبان كمصدر جذب
في بعض الدول مثل الهند وتايلاند، تحولت ال ثعابين إلى عنصر جذب سياحي. تُنظم جولات لمشاهدة الأفاعي في بيئتها الطبيعية، أو في مزارع متخصصة، ما يجذب محبي الطبيعة والمصورين والباحثين. وتُوفر هذه الأنشطة دخلًا لسكان المناطق الريفية، وتحفز على حماية البيئة.
على سبيل المثال، مؤسسة "حديقة ثعابين تشيناي" في الهند، التي أُسست عام 1972، تُعد نموذجًا ناجحًا للجمع بين الحفاظ على ال ثعابين وتوظيفها اقتصاديًّا في التعليم والسياحة.
صناعة غذاء الثعابين: سلسلة إمداد غير مرئية
تُغذّى ال ثعابين – خاصة تلك التي تُربى لاستخراج السم – بأنظمة غذائية محددة تعتمد غالبًا على الفئران الصغيرة أو الطيور. وقد أدى الطلب المتزايد على ال ثعابين في الأبحاث والصناعات الدوائية إلى نشوء سوق موازٍ لصناعة أعلاف متخصصة، ما يخلق وظائف وفرصًا استثمارية جديدة.
نظرة مستقبلية
يظل مجال استثمار ال ثعابين مجالًا غير تقليدي، لكنه قابل للتوسع، لا سيما مع تصاعد اهتمام العالم بالحلول الطبية المستخرجة من الطبيعة. ومع استمرار التغيرات المناخية وتزايد المخاطر البيئية، قد تصبح ال ثعابين جزءًا من الحل، لا المشكلة.
فبدلًا من قتلها خوفًا، يمكن أن تتحول هذه الكائنات إلى حليف للإنسان في الطب، والزراعة، والسياحة. ومن هنا، فإن الاستثمار في "اقتصاد الأفاعي" ليس مجرد فكرة غريبة، بل فرصة ذهبية تنتظر من يستثمرها بعين العلم لا برهاب الأساطير.