الوعي سلاح المواطن حين تدق طبول الحرب

الوعي سلاح المواطن حين تدق طبول الحربالوعي سلاح المواطن

في لحظة اشتعال الأزمات الكبري، لا تختبر فقط قدرات الجيوش وأنظمة الدفاع، بل تختبر كذلك مناعة الشعوب ومدي وعيها. ومع التصعيد الخطير بين إيران و إسرائيل ، وامتداد تداعياته إلي المنطقة بأسرها، تزداد أهمية الجبهة الداخلية في مصر، باعتبارها الحصن الأخير الذي يضمن الاستقرار.

لكن في خضم الأزمات، يطرح السؤال نفسه بقوة: ما دور المواطن العادي؟ وهل لدينا ثقافة مجتمعية حقيقية للتعامل مع الأزمات، أم أن الارتباك، الشائعات، والانقسام تسبق الفعل الواعي ؟

في هذا التقرير، نبحث في طبيعة هذا الدور، وما ينبغي أن يكون عليه، ونسلط الضوء علي كيفية تنمية وعي الأفراد ليصبحوا جزءا من شبكة الحماية الوطنية، لا ثغرة فيها .

يبدأ الدكتور محمود شرف، أستاذ علم الاجتماع السياسي حديثه قائلاً: «المجتمعات تقاس بقدرتها علي التماسك وقت الأزمات، وليس في أوقات الرفاهية. في لحظات الشدة، تظهر الفروق بين مجتمع مدرب علي التعايش مع الأزمات، وآخر متروك للتفاعل العشوائي. وللأسف، لا تزال ثقافة إدارة الأزمات غائبة أو ضعيفة لدي قطاع كبير من المواطنين. الناس تميل إلي ردود الفعل الانفعالية، أو تتأثر بالشائعات، لأن البنية المعرفية عندها غير مدربة علي الفهم النقدي والتفكير الاستراتيجي».

ويتابع: «المجتمع المصري لديه إرث طويل من الصمود والتماسك، لكننا نفتقر إلي التأهيل المستمر. فالأزمات اليوم أصبحت أكثر تعقيدا، وغالبا ما تكون مركبة: اقتصادية، إعلامية، نفسية، ومعلوماتية. الشائعة الآن لا تنقل عبر الفم فقط، بل تنتشر في ثوان علي منصات التواصل، وتصنع رأيا عاما وهميا قد يدفع الناس إلي الهلع أو السلوكيات المدمرة».

ويضيف شرف: «نحتاج إلي تعليم مجتمعي يربط المواطن بفهم شامل للأمن القومي، ويدخل مفاهيم مثل « الحرب المعلوماتية» و’ الوعي الجمعي» ضمن الثقافة العامة. يجب أن يعرف المواطن أن الشائعة قد تكون أخطر من الرصاصة، وأن نشر الذعر أخطر من نقص الموارد. لا يمكن أن نواجه أزمات كبري بنفس الأدوات التي نستخدمها في الحياة اليومية العادية».

كما يشدد علي أن «ثقافة الأزمات لا تعني فقط حفظ سلوكيات الطوارئ، بل تعني أن يكون المواطن جزءا من الحل، لا من المشكلة. أن يتصرف بمسؤولية، لا برد فعل. أن يختار الصمت بدلا من إعادة إرسال خبر لم يتحقق منه. وأن يدرك أن حماية الدولة تبدأ من سلوك الأفراد».

ويختم الدكتور شرف بالتنبيه إلي أن «بناء هذه الثقافة لا يحدث أثناء الأزمة، بل قبلها بوقت طويل، عبر الإعلام، والتعليم، والخطاب الديني، ومؤسسات المجتمع المدني. إذا انتظرنا وقوع الخطر لنعلم الناس كيف يتصرفون، فقد نكون قد تأخرنا كثيرا».

الإعلام والوعي

من جانبه، يؤكد الدكتور يسري البدري، أستاذ الإعلام، أن الإعلام الوطني يمثل «خط الدفاع الأول» في أوقات الأزمات، لكنه لا يستطيع أن يؤدي هذا الدور بمفرده في ظل غياب التلقي الواعي من جانب المواطنين.

« الإعلام يمكن أن يقدم أفضل الرسائل، لكن إذا لم يُقابل بجمهور محصن بالوعي، ستكون النتيجة صفر، نحتاج إلي خلق إعلام تعبوي هادئ، يتسم بالمسؤولية، لا بالرعب أو التهوين. إعلام ينقل الواقع كما هو، دون تضخيم أو تغافل. في المقابل، يجب تدريب المواطن علي تمييز الخبر الموثوق من المفبرك، جزء من مسؤولية المواطن أن يُحسن اختيار مصادره، لا أن ينساق وراء فيديوهات يوتيوب أو صفحات مشبوهة علي تيك توك.»

ويشير البدري إلي أن الإعلام المعاصر أصبح ساحة حرب حقيقية، خصوصا في ظل ما يعرف بـ»الجيل الخامس من الحروب»، حيث تستهدف المعلومات عقول الناس، لا أجسادهم. ويضيف: «نحن نعيش لحظة معقدة، عنوانها: من يملك الرواية؟ هناك من يصنع مقاطع مزيفة باستخدام الذكاء الاصطناعي، وهناك من ينشر الذعر بطرق مدروسة تخدم أجندات خارجية، مواجهة هذا الخطر لا تكون فقط عبر القوانين أو الرقابة، بل تبدأ من الداخل: من وعي المواطن».

ويشدد علي ضرورة تحديث أدوات الخطاب الإعلامي الرسمي، وجعله أكثر قربا من الناس، خاصة عبر المنصات الرقمية، لأن «الفراغ الذي يتركه الإعلام الوطني، تملأه الحسابات المجهولة والمضللة». ويقول: «من الخطأ أن نتحدث عن وعي المواطن دون أن نطوّر وسائل مخاطبته، المواطن الآن يشاهد فيديوهات قصيرة، لا بيانات مطولة، ينجذب للغة القريبة، لا الرسمية الجافة. لذلك، نحتاج إلي إعلام وطني ذكي، يجيد مخاطبة العاطفة والعقل معا».

ويختتم البدري حديثه بجملة واضحة: « الحرب اليوم لا تبدأ من الخنادق، بل من الشاشات. وتحصين المواطن إعلاميا أصبح جزءا لا يتجزأ من تحصين الدولة نفسها».
مسؤولية دينية ووطنية

أما الدكتور عمرو عطية، أستاذ الشريعة، فيؤكد أن الخطاب الديني في أوقات الأزمات يجب أن يتحول من مجرد تعزية روحية إلي قوة تعبئة معنوية، توجه الناس نحو الصبر والعمل والبناء، لا الهلع والانقسام.

“الدين لا يُعزل عن الوطن، بل هو شريكه في الثبات والنهضة. والرسائل التي تبث من المنابر لا بد أن تعزز فكرة الاصطفاف حول الدولة، والتمسك بالوحدة، والتعامل مع الابتلاءات بالصبر والعمل. النبي صلي الله عليه وسلم لم يفصل بين العبادة والاستعداد، بل كان يربط الإيمان بالتخطيط، ويحض علي التهيؤ لكل ما هو قادم، ولم يكن يدعو للانفعال أو الفوضي، بل للثبات والبصيرة».

ويضيف عطية أن الدعاة يتحملون مسؤولية كبري في تهيئة الناس نفسيا وفكريا لتجاوز الأزمات، وأن الخطاب الديني لا يجب أن يختزل في الدعاء أو التهوين أو التهويل: «علي الدعاة أن يقدموا فقه الواقع، لا مجرد خطاب عاطفي. الناس في الأزمات لا تحتاج فقط إلي الوعظ، بل إلي توجيه عملي، إلي كلام ديني مرتبط بالحدث، يربط بين الصبر والعمل، بين التوكل والتخطيط، بين الإيمان والتضحية. هناك مفاهيم دينية مغلوطة تتداول في الأزمات مثل «اللي يحصل يحصل» أو «ده ابتلاء ولازم نسكت’، وهذه مفاهيم لا تمت للثبات الحقيقي بصلة».

ويشدد الدكتور عطية علي أن المنبر يجب أن يكون مصدر تهدئة لا تهوين، ومساحة وعي لا تعبئة انفعالية: «إذا غابت منابر الوعي، حضرت منصات الفوضي، وإذا سكت العلماء، تكلم المدّعون. لذلك فإن دور الخطاب الديني يجب أن يتطور ليخاطب التحديات الجديدة بلغة العصر، وبالتحالف مع مؤسسات الدولة والمجتمع، لأن حفظ الوطن من مقاصد الشريعة».

ويختم بقوله: «في الأزمات، لا يقاس إيمان الناس بكثرة البكاء أو الدعاء فقط، بل بقدرتهم علي حمل المسؤولية، والوقوف إلي جانب دولتهم، والعمل علي وحدتهم. وهذه رسالة دينية بامتياز، لا يجب أن نغفلها».

تجاوز الضغوط النفسية

تري الدكتورة منال عبد الحليم، أستاذة علم النفس بجامعة عين شمس، أن التهديدات الكبري، كالحروب أو الكوارث أو الأزمات الاقتصادية، تخلق بيئة خصبة للقلق الجماعي، والخوف من المجهول، وفقدان الإحساس بالسيطرة. وهي حالة، إن تركت دون توعية، قد تتحول إلي موجات من السلوك الجمعي غير المنطقي.

“عندما يشعر الإنسان أن الخطر أكبر من قدرته علي الفهم أو التصرف، يبدأ في الدخول في دائرة التوتر، ثم التصرفات غير الواعية، مثل التهوين المفرط أو الهلع الجماعي أو الانسياق وراء الشائعات. وهنا يظهر دور ما نسميه بـ(المناعة النفسية المجتمعية)، أي قدرة المجتمع علي امتصاص الصدمة، والعودة إلي التوازن سريعا».

وتوضح عبد الحليم أن هذه المناعة النفسية لا تبني عشوائيا، بل من خلال برامج طويلة المدي تبدأ من المدرسة، وتمر بالمسجد والكنيسة، وتدعم بالإعلام، وتتجذر في ثقافة البيت.

«يجب تدريب الناس علي تقنيات ضبط النفس، والتنفس الواعي، وكيفية تنظيم انفعالاتهم، وتوجيه سلوكهم في وقت الأزمة، يجب أن يتعلم المواطن كيف يواجه القلق بالتحليل، لا بالذعر، وكيف يردّ علي الشائعة بالتحقق، لا بالتمرير. وهذا يتطلب دورا تكامليا من الإعلام والتعليم والمؤسسة الدينية، فهم شركاء في بناء الفرد المتماسك».
وتحذر عبد الحليم من تجاهل ما تسميه بـ»الصحة النفسية الجماعية»، وتربط بين أسلوب تعامل الدولة مع المواطنين ومناخهم النفسي، قائلة:

«حين يشعر المواطن أن دولته تراه، وتُشركه في المعلومة، وتخبره بالحقيقة من دون تهويل أو إنكار، يولد لديه شعور بالحماية، والثقة، والانتماء. أما حين يشعر بالتجاهل، أو الإقصاء، أو التخويف غير المبرر، تبدأ مشاعر العجز، ثم الانفصال النفسي عن الجماعة الوطنية».

وتختتم بعبارة لافتة: «لا توجد دولة قوية دون مواطن قوي. والمواطن القوي ليس هو الذي لا يخاف، بل من يعرف كيف يدير خوفه، ويحوله إلي وعي وسلوك مسؤول، هذا هو التحدي النفسي الحقيقي في زمن الأزمات».

سلوك مسئول

يري الدكتور شريف الشيخ، أستاذ التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات، أن المجتمعات لا تختبر فقط في كيفية مواجهتها للكوارث، وإنما في مدي استعدادها النفسي والمعرفي لها، وهو ما يسميه بـ»ثقافة الأزمات»، أي أن يكون لدي المواطن وعي مسبق، وسلوك تلقائي مسئول، دون حاجة لتوجيه دائم أو تدخل مباشر وقت الخطر.

ويؤكد الشيخ أن هناك منهجا علميا واضحا لتأصيل هذه الثقافة، مشيرا إلي أن الدول التي نجحت في مواجهة أزمات كبري – سواء صحية كجائحة كورونا، أو بيئية كالكوارث الطبيعية، أو سياسية كالحروب – لم تعتمد فقط علي مؤسساتها، بل علي استجابة المواطن الواعي.

ويطرح الشيخ أربعة مسارات أساسية لترسيخ ثقافة الأزمات في مصر:

1. إدخال مفاهيم إدارة الأزمات و الوعي الوطني في المناهج الدراسية منذ المراحل الابتدائية، بشكل مبسط وعملي، لتعزيز التفكير التحليلي والانضباط في الأجيال الجديدة، عبر مشاهد درامية، أو مواقف تفاعلية، أو حتي ألعاب تعليمية.

2. إطلاق حملات توعية دورية عبر وسائل الإعلام، تحاكي سيناريوهات واقعية، وتوضح للمواطن ما الذي يجب فعله في حالات مثل: انقطاع الكهرباء، أو انتشار شائعة، أو ارتفاع مفاجئ في الأسعار، أو حتي هجوم إلكتروني.

3. تدريب المجتمعات المحلية – خاصة في الريف والعشوائيات – علي الاستجابة في حالات الطوارئ، مثل الحريق أو الفيضان أو الزحام المفاجئ، من خلال الورش والأنشطة الميدانية بالتعاون مع الحماية المدنية والهلال الأحمر.

4. الاستفادة من التكنولوجيا بإنشاء تطبيقات ذكية تصدر تنبيهات رسمية وقت الأزمات، وتقدم للمواطن معلومات فورية موثوقة حول كيفية التصرف، وطرق التبليغ عن الخطر، وخرائط الطوارئ.

ويشدد الشيخ علي أن هذه الثقافة لا تبني كرد فعل، بل عبر تراكم طويل الأمد من التوجيه والممارسة، ويختم بقوله:

«المواطن الواعي لا يُخلق فجأة أثناء الأزمة، نحن لا نزرع الزرع وقت العاصفة؛ بل يتم بناؤه يوما بيوم، عبر سياسات تعليمية، وإعلامية، وأخلاقية واعية، حين تصبح ثقافة إدارة الأزمات جزءا من الروتين اليومي، يمكننا أن نثق في قدرتنا علي تجاوز أي تحدٍ مهما كان حجمه».

الشائعات

البلدان لا تُحمي فقط بالصواريخ والطائرات، بل بالمواطن الذي يختار أن يكون واعيا، لا تابعا.

المطلوب ليس أن يصبح الجميع محللين سياسيين، بل أن ندرك خطورة الشائعة، أن نحسن استخدام السوشيال ميديا، أن نتحلي بالمسؤولية، وأن نكون الصف الأخير الحامي حين تنهار الخطوط الأمامية.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان