بينما تتكرر مشاهد الحوادث على الطرق السريعة اليوم، وتتصاعد حملات التوعية المرورية والرقابة الإلكترونية، قد يدهشك أن مصر بدأت تنظيم حركة السير بقوانين مفصلة منذ أكثر من قرن، حين كانت العربات قليلة، والطرق لا تزال ترابية، لكن القوانين كانت حازمة، والمواطنون جزء من منظومة السلامة.
في عام 1925، أصدرت الحكومة المصرية لائحة تنظيم المرور في الطرق العمومية، وجاء فيها أن الحد الأقصى لسرعة السيارات يجب ألا يتجاوز 12 كيلومترًا في الساعة، خاصة في المناطق القروية والسكنية، وهو ما يعكس وعيا مبكرا بأهمية التحكم في السرعة حماية للمارة.
كما نصت اللائحة على ضرورة أن تتوقف العربات عند التقاطعات، وأن تطلق تنبيها صوتيا عند الاقتراب من المنحنيات أو المناطق المزدحمة، وفرضت غرامات مالية على المخالفين، يتم تحصيلها من خلال مأموري الضبط في المديريات.
ولم يكن تأمين الطريق مسئولية الدولة وحدها، بل ألزمت القوانين سكان المنازل الواقعة على جانبي الطرق العمومية بتركيب مصابيح إنارة أمام بيوتهم، على أن تضاء كل ليلة من غروب الشمس حتى طلوع الفجر، لضمان رؤية واضحة للمارة والسائقين على حد سواء.
وقد أُجيز للأهالي أن يتشاركوا مصباحا واحدا إذا كانت منازلهم متجاورة، بشرط أن يكون المصباح كافيًا للإنارة، وفي حالة عدم الالتزام تفرض غرامة مالية تسجل ضمن مخالفات النظام العام.
في سابقة قانونية ملفتة، نصّ القانون على أن الإنارة الليلية غير واجبة خلال "الليالي القمرية"، أي من يوم 12 إلى 18 من كل شهر هجري، وهي الأيام التي يكون فيها ضوء القمر كافية لإنارة الطريق طبيعيا. هذا النص يظهر دقة المشرعين في مراعاة عناصر الطبيعة وتوفير الموارد.
لم تقتصر هذه التعليمات على المدن الكبرى، بل تم تعميمها على مختلف مديريات مصر، خاصة في محافظات الصعيد والدلتا.
وورد في منشور رسمي من وزارة الداخلية آنذاك، توجيه مباشر إلى مديرية المنوفية بتطبيق قانون الإنارة في عشرات القرى، مثل:
"سمادون، شما، شنشور، شطانوف، منيل عروس، الكوادي، البرانية، طليا، ساقية أبو شعرة، شعشاع، كفر الفرعونية، قلتي الكبرى والصغرى، رملة الأنجب، طهواي، منشأة جريس، وشنواي"، وغيرها.
ونص المنشور على:
"يُكلف الأهالي القاطنين على الطرق العمومية بتركيب مصابيح إنارة تُضاء ليلاً، ويجاز اشتراك عدة منازل بمصباح واحد. تفرض غرامات على من يخالف، ويُعفى من الإضاءة خلال الليالي القمرية".
اليوم، ومع تضاعف عدد المركبات إلى أكثر من 11 مليون مركبة مسجلة رسميا في مصر (وفق تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، 2024)، تغيرت أدوات الرقابة، لكن مبادئ السلامة ظلت ثابتة.
أصبحت الدولة تعتمد على الرادارات الذكية لمراقبة السرعة على الطرق السريعة، وكاميرات المراقبة في الإشارات والتقاطعات لضبط المخالفات، وأنظمة الإبلاغ الإلكتروني وتطبيقات الهواتف الذكية لتتبع المخالفات.
ورغم هذا التحول، ما تزال مصر تسجل معدلات مرتفعة لحوادث الطرق، حيث تشير إحصائيات جهاز التعبئة العامة والإحصاء لعام 2023 إلى نحو 6,700 حالة وفاة سنويا بسبب حوادث الطرق، وأكثر من 50 ألف مصاب سنويا.
وتعود أغلب الحوادث إلى السرعة الزائدة، القيادة تحت تأثير الإجهاد أو المؤثرات، وسوء حالة بعض الطرق.
ومن المصباح اليدوي إلى الكاميرا الرقمية، ومن 12 كم/س إلى 120، تطورت أدوات الدولة في تنظيم المرور، لكن تظل الثقافة المرورية وسلوك الأفراد هي العنصر الأهم. وربما علينا أن نستعيد من قوانين الماضي فكر "المسؤولية الجماعية"، التي كان يتحملها السائق، والمواطن، والمجتمع ككل.