حين يصبح الجوع عنفًا : كيف يصنع الاقتصاد المضطرب جريمة منظمة ؟

حين يصبح الجوع عنفًا : كيف يصنع الاقتصاد المضطرب جريمة منظمة ؟الجوع

في السابع من كل صباح، يخرج ملايين الأشخاص حول العالم باحثين عن قوت يومهم، لكن بعضهم يعود خاوي الوفاض... أو غارقًا في دوامة العنف والانحراف. فبينما يعاني الاقتصاد العالمي من أزمات متكررة، تتسلل الجريمة من زوايا الإهمال والفقر، لتتحول من فعل فردي إلى نمط جماعي، ومن سلوك عابر إلى ظاهرة عابرة للحدود. فهل الفقر هو من يصنع المجرم؟ أم أن غياب العدالة هو من يدفع الأفراد نحو حافة الخطر؟

في ورقتها البحثية الحديثة، تحاول د. سمر الباجوري، أستاذ الاقتصاد المساعد بجامعة القاهرة ومديرة مركز دراسات حوض النيل، تفكيك هذه العلاقة المعقدة بين الأوضاع الاقتصادية وتصاعد معدلات الجريمة والعنف، مستعينة بأحدث النظريات والتقارير الدولية التي تضع الإصبع على الجرح: الجريمة أصبحت مرآة الاقتصاد، لا مجرد انحراف سلوكي.

الأزمات الاقتصادية .. تربة خصبة للجريمة

تشير الأدبيات الاقتصادية إلى أن الجريمة ليست دومًا وليدة انحراف فردي، بل كثيرًا ما تكون انعكاسًا لضغوط معيشية خانقة. ومع تزايد معدلات البطالة، وغلاء الأسعار، وتآكل الحماية الاجتماعية، يصبح الانفجار أمرًا متوقعًا. لكن كما توضّح نظرية الحرمان النسبي لعالم الاجتماع الأمريكي تيد غور، فإن الخطر لا يكمن فقط في الفقر، بل في الإحساس بالإقصاء والتهميش وسط عالم تتكدس فيه الثروات في يد قلة.

أما نظرية الإفقار التي طرحها الاقتصادي مانكور أولسون، فتذهب أبعد من ذلك، حيث ترى أن النمو الاقتصادي غير المتوازن قد يفاقم من معدلات الجريمة، إذا لم يصاحبه توزيع عادل للعوائد، مما يضعف البنى الاجتماعية ويقوض نظم الضبط التقليدية.

الجريمة تتغير.. وتلبس وجهًا عالميًا

في عالم اليوم، لم تعد الجريمة محلية أو نمطية، بل أصبحت معولمة، مرنة، وعابرة للحدود. وبحسب تقرير مؤشر الجريمة المنظمة 2023 الصادر عن "المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة"، فإن:

83% من سكان العالم يعيشون الآن في دول ذات معدلات جريمة مرتفعة.

الجرائم المالية والرقمية تجاوزت في بعض المناطق الجرائم التقليدية.

ازدهرت تجارة البشر في مناطق النزاع واللجوء.

آسيا تتصدر العالم في نفوذ المنظمات الإجرامية، تليها إفريقيا التي تضم أكبر عدد من الكيانات الإجرامية رغم انخفاض نسب التصاعد فيها.

الجريمة باتت صناعة، والاقتصاد المضطرب أكبر ممول لها.

قراءة مزدوجة: بين ما هو وطني وما هو محلي

تُفرق د. الباجوري في دراستها بين مستويين لفهم هذه الظاهرة:

أولًا: المستوى الكلي (الوطني)

تشمل مؤشرات مثل: معدل النمو، توزيع الدخل، كفاءة الضرائب، شبكات الأمان الاجتماعي، والتعليم. وتشير البيانات إلى أن غياب العدالة الاقتصادية يجعل الدول أكثر عرضة للجريمة، خاصة مع إهمال الاستثمار في البنى التحتية البشرية.

ثانيًا: المستوى الجزئي (المحلي)

وهو ما تصفه نظرية الاختلال الاجتماعي لمدرسة شيكاغو. فالأحياء المهملة، التي تفتقد للتنظيم والتماسك الاجتماعي، تتحول بسهولة إلى حاضنات للجريمة، حتى وإن كانت تقع داخل دول ذات اقتصاد قوي.

الفقر لا يبرر الجريمة... لكن غياب العدل قد يصنعها

تحذر الدراسة من اختزال الجريمة في الفقر وحده، مؤكدة أن اللامساواة، وتكافؤ الفرص، وتوفر سبل الترقّي الاجتماعي، تلعب دورًا حاسمًا في إما بناء الاستقرار أو تفجير الأزمات. وفي غياب سياسات اقتصادية ذات بُعد اجتماعي، يتحول الغضب إلى عنف، واليأس إلى جريمة، والتفاوت إلى وقود للانفجار.

الجريمة... ليست عرضًا بل مؤشرًا

في عالم يتسع فيه الفارق بين من يملكون ومن لا يجدون، لم تعد الجريمة ظاهرة هامشية أو خفية. بل باتت مؤشرًا قويًا على تفكك العقد الاجتماعي، وخلل العدالة في تقاسم موارد النمو. وكما تنهي د. الباجوري ورقتها: "النمو لا يجب أن يُقاس فقط بالأرقام، بل بقدرة هذا النمو على إرساء العدالة، وصون الكرامة، وبناء الثقة."

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان