من خان الخليلي إلى واشنطن : حكاية "ملك العطور" الذي سحر العالم بعنبر مصر

من خان الخليلي إلى واشنطن : حكاية "ملك العطور" الذي سحر العالم بعنبر مصرخان الخليلي

في قلب القاهرة القديمة، بين أزقة خان الخليلي العتيقة وتاريخ الجمالية المسحور، لا تزال الأرواح العابقة بالعطر والفن تتسلل من بين جدران المحلات القديمة. ليس فقط النحاس والحُلي والبرديات هي ما شدت أنظار زائري هذا السوق الأسطوري، بل عطر خاص، وُلد في زجاجة مصرية، فتن ملوك أوروبا وزيّن صفحات الصحف الأمريكية. من هنا بدأت رحلة أحمد سليمان، ابن الفيوم الذي أصبح "ملك عطور القاهرة"، ووصل بعطره إلى قصور مدريد ونوافذ نيويورك. تكتب الباحثة المتخصصة في التاريخ الثقافي شذى يحيى عن سوق خان الخليلي، فتفتح كنزا من الذكريات، وتسرد قصة لم تكتب كثيرا عن تيفاني، والعنبر، وزجاجات نيجير التي تحوّلت إلى أيقونات فنية، وبازار كان ينافس أكبر دور العطور في العالم.


تسرد الباحثة شذى يحيى، المتخصصة في التاريخ الثقافي، واحدة من أكثر القصص المدهشة التي خرجت من قلب خان الخليلي، السوق الأشهر في القاهرة والذي طالما جذب أنظار الرحالة والفنانين من كل بقاع الأرض.

تبدأ الحكاية في عام 1871، حين زار الشاب الأمريكي لويس كومفورت تيفاني (1847–1923)، نجل صانع الساعات الشهير، مصر لأول مرة ضمن بعثة فنية من مدرسة نهر هدسون. لم يتجاوز تيفاني حدود القاهرة خلال رحلته، لكنه وقع في غرام أحد أركانها: خان الخليلي، حيث اشترى عقدا من الجعارين القديمة. تلك القطعة الصغيرة ألهمته لاحقا عشرات التصميمات التي أصبحت توقيعا لشركته الشهيرة Tiffany & Co، وأسست جزءا من الهوية البصرية لمجوهرات وزجاج تيفاني، المستوحاة من الفن المصري القديم.

لكن لم يكن تيفاني وحده من سُحر بخان الخليلي. في أوائل القرن العشرين، برز اسم أحمد سليمان الماوردى، الشاب القادم من الفيوم الذي تعلم فنون العطر واستخلاص الزيوت في حي الجمالية، قبل أن يمتلك متجرا للعطور في خان الخليلي عام 1906. المحل الذي ورثه عن صانعي عطور منذ 1838، أعاد تشكيله ليصبح ما يُعرف بـ"قصر العطور".

أطلق سليمان على نفسه ألقابا مستوحاة من الفلكلور والتاريخ مثل "سليمان الحكيم" و"ملك عطور القاهرة". ومع اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، أعاد تشكيل محله ليعكس هوس الغرب بالحضارة المصرية، فكان يقدّم لزبائنه تجربة فريدة: جلسة على الأرائك الحريرية، مع الشاي بالنعناع أو القهوة المحوجة، بينما يُركّب لهم عطرًا خاصًا، يُعبأ في زجاجة ملونة مرسومة بالنقوش الفرعونية، وغالبًا ما تُزيّن أغطيتها بأحجار شبه كريمة.

هذه الزجاجات الساحرة كانت تُصنع على يد الأخوين نيجير، وهما فنانان تشيكيان امتلكا مصنعًا مخصصًا للحُلي والزجاجات التي تحمل زخارف الحضارات القديمة. وبعد مقتلهما في الحرب العالمية الثانية، بقيت منتجاتهما جزءا من ذاكرة العطور المصرية الفاخرة.

عُرفت منتجات أحمد سليمان عالميا، وتم تصديرها للولايات المتحدة وكندا، كما ملأت إعلانات عطوره صحف واشنطن وفيلادلفيا وبنسلفانيا. حتى ملك إسبانيا أصبح أحد عشاق تبغه المعطر.

لكن لم يكن أحمد سليمان وحده في السوق، فقد ظهر محمود سليمان في "التربيعة"، وقلّده في التغليف الفاخر لكنه تمسك بتركيباته الخاصة. أما الإخوة الشيمي، فقد وسّعوا نشاطهم وافتتحوا فروعًا في فنادق كبرى مثل شيبرد، واستخدموا عبوات أقل تكلفة من مواد مثل "الباكلايت"، ما جعل العطور أكثر تحملاً للسفر، واستهدفت جمهورًا أوسع.

في تلك الفترة، كانت الزجاجات الفاخرة صرعة تتسابق فيها الأسماء الكبيرة. على سبيل المثال، أطلق الشبراويشي عطره "نفرتيتي" في زجاجة فاخرة عام 1920، ثم عاد لاستخدام الزجاجات العادية في منتجاته اللاحقة.

غير أن قصة أحمد سليمان انتهت فجأة، حين اختفى من السوق عام 1956، متزامنا مع اختفاء الإخوة الشيمي بعد حريق فندق شيبرد. تغير كل شيء بعد ذلك، تراجعت أسطورة الزجاجات المزخرفة، وتحول خان الخليلي من مركز للفن الرفيع إلى بازار للتذكارات السريعة. ومع ذلك، لا يزال عبق الماضي يفوح من أركانه، شاهداً على زمن كانت فيه العطور تركب على أنغام الحضارة، وتعبأ في زجاجات تروي حكايات من سحر الشرق إلى قصور الغرب.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان