حب العزيز.. "الربعة بقرش" الذي هجرته الأجيال وعاد في عباءة الأغذية الصحية

حب العزيز.. "الربعة بقرش" الذي هجرته الأجيال وعاد في عباءة الأغذية الصحيةحب العزيز

منوعات14-7-2025 | 02:45

من بين نداءات الباعة الجائلين التي سكنت ذاكرة المصريين، يصدح صوت بائع حب العزيز: " حب العزيز بحلاوة النيل.. الربعة بقرش". نداء كان يرافق الموالد الشعبية ويزين جنبات الأضرحة والمقامات، من السيد البدوي إلى السيدة زينب. ورغم تراجع حضوره من شوارع المدن، ظل هذا النبات الدُرني يحتفظ بقيمته التاريخية والطبية والغذائية، ليعود اليوم من باب "الأغذية الصحية" في محلات النخبة، بعدما كان يباع في قمع صفيح بمكيال يسمى "الربعة". فكيف كانت رحلته من "القرش" إلى الجنيهات، ومن عربات الموالد إلى رفوف متاجر المنتجات النباتية؟

تقول الباحثة شذى يحيى، المتخصصة في التاريخ الثقافي:

" حب العزيز بحلاوة النيل يا حب العزيز، الربعة بقرش.. حلو ولذيذ الربعة بقرش" – كان هذا النداء يعلو في أرجاء الموالد الشعبية، علامة من علامات الزمن الجميل، يُسمع قرب مقامات الأولياء مثل السيد البدوي والدسوقي والحسين والسيدة زينب. البائع يدفع عربته الصغيرة التي تحمل حبات بنية صغيرة الحجم، تُشبه البندق في لونها، أصغر من الحمص، حلوة المذاق، يشتريها المصريون كتسلية خفيفة مثل اللب والسوداني.

ورغم تراجع زراعته في مصر، لا يزال حب العزيز يُزرع على نطاق ضيق في رشيد، وتبقى طنطا حتى اليوم أكبر معقل لبيعه، خاصة في موسم الموالد.

حب العزيز في الطب القديم

ورد ذكر حب العزيز في كتاب "تذكرة داوود الأنطاكي"، أحد أهم مراجع الطب في العصور الوسطى. ويشير داوود إلى أن سبب تسميته بهذا الاسم يعود إلى مولد الملك العزيز الذي كان مغرمًا بتناوله. وكان يُزرع في الإسكندرية، وتتنوع أنواعه بين الرزين الأحمر الحلو، والأصفر المستطيل الأقل جودة.

ويذكر داوود أن حب العزيز يساعد على زيادة الوزن، ويُصلح هزال الكلى، ويهدئ الحرقان. أما ابن سينا، فقد أكد أنه طيب الطعم، يزيل الصداع، ويُصفّي البول من الشوائب، كما أنه مدر لحليب الأمهات، ومفيد في أمراض الجلد والعين.

حب العزيز في الوجدان الشعبي

في الأغاني القديمة، يظهر حب العزيز كرمز للجمال والحلاوة:

>"لذيذ وغالي يا حب العزيز، ياللي تهادى يجعل مساك حلو ونادي".

ويُعتقد أن التسمية تعود إلى الخليفة العزيز بالله الفاطمي، أو ربما إلى وصفه بـ"عزيز مصر" لمكانته في التاريخ الغذائي المصري، حيث عُثر على ثماره في مقابر البدارى (عصر ما قبل الأسرات)، وداخل دير أبو النجا، بل وحول عنق مومياء الأمير "كنت".

وتقول شذى إن نبات حب العزيز من فصيلة البرديات، شجرته تُشبه النخلة، وأوراقه بيضاء، وكان يُستخدم قديماً في علاج مشاكل البطن، والأمراض الجلدية، وكتراكت العين، ويُحضر مشروبه بالعسل كمرطب علاجي، ويُستخدم دقيقه في صنع أنواع الخبز والحلوى.

المؤرخ فرنسيس أمين يضيف أن حب العزيز ارتبط في المخيلة الشعبية بـ"نبات الجنة"، وبقصة سيدنا يوسف، وأن زراعته اليوم تقتصر على مناطق في الصعيد حيث تنمو عشوائيًا.

المكيال والذاكرة

كان يُباع حب العزيز قديمًا بـ"الربعة"، وهي مكيال صغير يُشكّل ربع "قدح"، والقدح يعادل حوالي لترين، أما الكيلة فتساوي 8 أقداح. وكانت أدوات القياس تُصنع من الخشب والصفيح، بينما الآن يُباع حب العزيز بالكيس، يتجاوز سعره عدة جنيهات، بعد أن كان "الربعة بقرش".

ومع أن حب العزيز ما زال يُباع في بعض المناطق الريفية بالكيلة والأردب، فإن الغالبية العظمى من المصريين لم تعُد تعرفه أو تقبل عليه، خصوصًا الأجيال الجديدة التي لا ترتبط به وجدانيًا، ما أدى إلى اختفاء باعة حب العزيز من أمام المدارس والمصالح، واقتصار وجوده على الموالد والأضرحة.

ورغم ذلك، عاد حب العزيز ليحجز له مكانًا جديدًا في محلات الأغذية الصحية، حيث يُباع كمكون نباتي مهم لمرضى حساسية اللاكتوز، والباحثين عن بدائل طبيعية مغذية.

" حب العزيز بحلاوة النيل.. اديني كيلة، الربعة بقرش".. هكذا كان يُنادى عليه في الماضي، لكنه اليوم يطل من رفوف محلات النخبة، بعد أن تخلى عنه الشارع، وعاد إليه التاريخ. فهل تعيده الأجيال الجديدة إلى مكانه في الذاكرة؟ أم يبقى "حبًا عزيزًا" على من لم يعرف طعمه؟

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان