فى إحدى أمسيات يوليو الخانقة، جلست فى غرفة المعيشة أراجع بعض الأوراق حين دخلت لانا، ابنة عمي الصغيرة ذات الأربعة عشر عامًا، حاملة هاتفها كأنها تحمل دُميتها الجديدة، قالت بحماس طفولي:
«تعالي شوفى التريند ده! لازم أعمله قبل ما يبرد!»
ابتسمت وسألتها: «تريند إيه؟»
ناولَتني الهاتف، فأخذته منها وأنا لا أعلم أنني سأصطدم بلحظة كاشفة؛ الفيديو كان لشاب يؤدي مشهدًا ساخرًا مليئًا بالصراخ، والإيحاءات، وألفاظ لا يليق أن تُقال... ولا تُسمع.
نظرت إليها بدهشة وسألتها:
«فاهمة هو بيقول إيه؟»
أجابت ضاحكة:
«مش مهم أفهم... الناس كلها بتضحك، وهو عامل 3 مليون مشاهدة!» ضحكتها كانت بريئة، لكن الكلمات التي نطقتها كانت موجعة.
فى لحظة، شعرت أن شيئًا ما يُنتزع من تحت أقدامنا نحن الكبار. لم تكن تمسك بهاتف فحسب، بل بوعيها، وقيمها، وصورتها عن العالم.
هذا الشعور لم يعد فرديًا؛ بل صار همًّا عامًا. فقد أشار المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية إلى أن تطبيق «تيك توك» قد يشكل تهديدًا للأمن الثقافى فى المجتمع ، نتيجة هيمنة المحتوى الترفيهي السطحي على الحسابات الأكثر رواجًا، مما يؤدي إلى ترسيخ قيم وسلوكيات تتعارض مع الموروث الثقافى والاجتماعي.
وفى دراسة حديثة أجراها المركز، عبّر 94.6% من المشاركين عن اعتقادهم بأن «تيك توك» يؤثر سلبًا على الصحة النفسية للمستخدمين، مؤكدين أن الإفراط فى استخدامه يؤدي إلى زيادة مشاعر القلق والتوتر، وفقدان التركيز.
كما كشفت الدراسة أن 33% من المراهقين تأثر سلوكهم بشكل سلبي نتيجة مشاهدتهم لمحتوى مسيء أو يحض على العنف ، التنمر أو السخرية ، فى حين أقرّ 60% من أولياء الأمور بصعوبة متابعة ما يتعرض له أبناؤهم من محتوى، فى ظل التدفق المتسارع والمتجدد للمقاطع القصيرة.
فهل ما زلنا نتصور أن الأب والأم هما فقط من يُربّي؟
فى عصر المنصات، صار الهاتف هو المربّي.
لم تعد لانا تحكي لي عن مغامراتها الصغيرة فى المدرسة، بل تسألني: «إزاي أطلع تريند؟»
الخطورة ليست فقط فى ما يُعرض، بل فى ما يغيب.
غياب الحوار، وغياب التربية الرقمية، وغياب البدائل التي تنافس المحتوى السطحي.
لست ضد التكنولوجيا... لكني ضد الغياب، أنا لا أخاف من تيك توك، بل من خوائنا أمامه.
المنصة فى النهاية حيّز رقمي، نحن من نملأه... أو نتركه.
عندما شاهدنا سويًا فيديو لمعلم رياضيات شاب يشرح المعادلات برشاقة وابتسامة، قلت لها:
«شايفة؟ ده محتوى بيكبرك.. ردّت بابتسامة خفيفة:
«بس محدش بيعمله شير كتير.»
فقلت لها: «بس اللي زيه... الناس بتفتكره، مش بتستهلكه وتمشي.» من يرسم وعي لانا؟ ومن يرسم وعي الجيل كله؟
المراهقون اليوم لا يحتاجون رقابة فقط، بل توجيهًا وحوارًا وقدوة.
جيل تيك توك ليس عدوًا، بل فرصة.
فرصة لنُعيد تعريف «النجاح»، و «الجمال»، و «التأثير»
فى عيونهم.
فرصة لنكون نحن المؤثرين الحقيقيين فى حياتهم،
لا المنصات وحدها.