بينما يُسخر الائتلاف الإسرئيلي الحاكم بقيادة بنيامين نتنياهو الهدنة الإنسانية في قطاع غزة ، لترتيب الأوراق نحو تنفيذ مخططاته التوسعية، نشرت الصحف الإسرائيلية تقارير تكشف عن حدوث انقسامات حادة بين قيادات جيش الاحتلال والقادة السياسيين، بل وعن انقسامات داخل المؤسسة العسكرية نفسها، وسلطت الصحف الضوء علي تحذيرات محللين عسكريين من تعرض دولة الاحتلال للعزلة الدولية بسبب استمرار الحرب.
بالتزامن مع الإعلان عن الهدنة، أوردت صحيفة «معاريف» خبرًا عن انتقال عمليات جيش الاحتلال في قطاع غزة من تكتيك الردع إلي تكتيك «الحرب الدائمة»، بل أعلن نتنياهو مخطط ضم قطاع غزة بالكامل بجانب الضفة الغربية، في سبيل تخفيف حدة التوتر داخل الائتلاف الحكومي بين نتنياهو ووزير ماليته بتسلئيل سموتريتش، الذي هدّد بسحب وزراء حزبه من الحكومة ما لم يحصل علي ضمانات واضحة بالقضاء علي حماس .
يأتي ذلك في الوقت الذي يحذر فيه محللون عسكريون من استمرار الحرب، وفي هذا السياق، ذهب الصحفي والمحلل العسكري الإسرائيلي يوآف ليمور، في صحيفة «إسرائيل اليوم»، في تقرير تحليلي إلي أن «كل تأخير في الهدنة أو الصفقة سيُدخِل إسرائيل في مأزق إنساني وأخلاقي، خصوصًا بعد اتساع رقعة الانتقادات الدولية وفشل الحكومة في حماية الرهائن أو إعادتهم بالقوة».
هذا إلي جانب الانقسامات بين الجيش الإسرائيلي والقادة السياسيين، حيث تري المؤسسة العسكرية ضرورة إنهاء الحرب لأن تحقيق أهدافها بات شبه مستحيل، بينما يصر السياسيون بالائتلاف علي مواصلة العمليات العسكرية.
وأفاد المراسل العسكري، ألون بن دافيد، في القناة 13، أن «الجيش الإسرائيلي يدرك استحالة استعادة جميع الرهائن بالقوة، وأن خيار التفاوض، رغم تعقيداته، يظل الأقل كلفة بشريًا، لكنه يصطدم برؤية القيادة السياسية التي تريد نصرًا وهميًا بأي ثمن».
ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، عن مصدر مطلع، أن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، قال للحكومة، إن المزيد من العمليات في قطاع غزة سيهدد حياة الإسرائيليين المحتجزين، وقال المصدر، إن زامير أبلغ الحكومة أنه يفضل صفقة لإطلاق سراح المحتجزين في غزة.
من جانبه، أكد اللواء (احتياط) نوعام تيبون، أن الحرب لم تعد عادلة، قائلا، إنه بعد 22 شهرًا، لم يعد للحرب أي هدف أمني، بل أصبحت حربًا سياسية تضحي بالجنود، ما يُضعف الجيش الإسرائيلي، ويغرقه أكثر فأكثر في مستنقع الدم بقطاع غزة، داعيًا إلي إنهاء الحرب وإعادة المخطوفين.
وفي سياق متصل، لم تتوقف التظاهرات في تل أبيب ومناطق أخري بإسرائيل، حيث يقود أهالي الأسري المحتجزين لدي حركة حماس احتجاجات أسبوعية تطالب الحكومة بإبرام صفقة تبادل «مهما كلف الثمن»، مؤكدين أن «أبناءهم ليسوا أوراقًا سياسية في لعبة نتنياهو».
كما وجهت المنظمتان الحقوقيتان «بتسيلم» و«أطباء لحقوق الإنسان» اتهامًا صريحًا لحكومة نتنياهو بارتكاب «إبادة جماعية» بحق سكان قطاع غزة، استنادًا إلي تحقيقات ميدانية وشهادات موثقة.
وعبّر وزراء سابقون وأعضاء في حزب «الليكود» نفسه عن تململهم من استمرار الحرب دون أفق سياسي، محذرين من أن تعنت نتنياهو قد يقود البلاد إلي كارثة استراتيجية داخلية وخارجية.
وعلي صعيد المعارضة الإسرائيلية، أطلق زعيمها يائير لابيد، تحذيرًا قال، إنه يستند لمعلومات استخباراتية وعملياتية، مؤكدًا أن حكومة نتنياهو فشلت في الحرب، وأن الاستراتيجية الراهنة لتحرير الأسري أثبتت عجزها، داعيًا إلي «إنهاء الحرب، وإتمام صفقة شاملة، مع سحب الجيش إلي حدود القطاع، وترك إدارة غزة لتحالف عربي معتدل بقيادة مصر»، معتبرًا أن مواصلة الحرب بلا هدف واضح تهدد أرواح الجنود ولا تخدم استعادة الأسري.
وعلي الصعيد الدولي، دعا كل من رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلي الوقف الفوري للحرب في غزة، معتبرين أن استمرارها يقوض فرص التهدئة ويزيد من عزلة إسرائيل في المجتمع الدولي.
يأتي ذلك في الوقت التي تبرز فيه مشكلة الانقسام بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، الأمر الذي كشفته صحيفة «التلجراف» البريطانية، موضحة أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تشهد انقسامًا غير مسبوق مع تزايد أعداد الجنود - ولا سيما من الاحتياط والجنرالات الحاليين والمتقاعدين- الذين يرفضون المشاركة أو تأييد استمرار الحرب في قطاع غزة.
وقالت الصحيفة البريطانية، إن هذا الرفض يأتي احتجاجًا علي ما يعتبرونها حربًا عبثية تدار بدوافع سياسية تخدم بقاء نتنياهو في الحكم أكثر مما تهدف إلي تحقيق أهداف عسكرية واقعية.
وفي ظل هذه الانقسامات، يعاني الجيش الإسرائيلي من انخفاض غير مسبوق في نسب الاستجابة لاستدعاءات الاحتياط، حيث كشفت تقارير عن أن نسبة تلبية الجنود للاستدعاءات لا تتجاوز 60%، بينما يعاني قادة الوحدات من عدم وجود عناصر كافية لاستكمال المهمات الميدانية.
ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة «كان هاديسوت» الإسرائيلية، رفض أربعة جنود مؤخرًا من قوات ناحال العودة للقتال في قطاع غزة، وتم محاكمة ثلاثة منهم، وحُكم عليهم بالسجن لفترات تتراوح بين 7 و12 يومًا، ولم يُحاكم الجندي الرابع بعد، وأوضح جيش الاحتلال أن الجنود الأربعة خضعوا لفحص من قِبل مسئول الصحة النفسية (كابن)، الذي أكد لياقتهم القتالية، لكنهم أكدوا أنهم لم يتصرفوا من باب الخوف، بل كانوا يعانون من أزمة داخلية عميقة، وأعربوا عن خيبة أملهم لأن رد جيشهم علي رفضهم كان مجرد عقاب- دون أي علاج.
وحسب الصحيفة الإسرائيلية، حال استمرت هذه الموجة من الانقسامات، قد تجد إسرائيل نفسها أمام واقع غير مسبوق: «جيش بلا جنود، حرب بلا دعم، وقيادة سياسية فاقدة للشرعية الداخلية والدولية»، فالوضع الحالي يعكس أزمة تضرب تماسك المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وسط انقسامات سياسية داخلية، وضغوط دولية متزايدة.